22
Feb
2020
0

الامبريالات الصغرى وكيف تعاملت مع المجتمعات العربية بعد ثورة 2011

تسعى كل من ايران وتركيا كي تكون امبريالية مسيطرة على منطقة المشرق العربي أو بعضها. لكن كل منهما يفتقر الى المقومات الثقافية والسياسية التي يمكن أن تساعده في ذلك. الدخل الفردي في ايران نصف ما عليه في تركيا وأقل من بعض الدول العربية. والفارق الثقافي معدوم بين كل من الترك وايران من جهة والعرب من جهة أخرى. تحتاج كل دولة امبريالية أن تكون لديها مقومات القوة، أولاً، وأن تملك الفارق الثقافي كي تستطيع التبرير لشعبها بالرسالة التمدينية وبأن ما تفعله هو لخير الانسانية حسب زعمها. ما زعم الامبرياليون يوما إلا أنهم يقدمون تضحيات للانسانية، للشعوب المغلوبة، في سبيل نهب هذه الشعوب وتدميرها وشن حروب الإبادة.

يعتبر استراتيجيون في القيادة التركية أن المشرق العربي وحتى مغربه هو مدى حيوياً للسلطة التركية. يدعمون رؤيتهم بنوستالجيا عثمانية مضى عليها الزمن منذ أكثر من قرن. الغرابة أن تركيا العلمانية، وهم امتداد لها، هي أول من ثار ضد النمط العثماني؛ وكان التبني الدولة القومية بالحدود التركية الحالية دليلا على تبني وجهة جديدة. ذلك الى أن عاد مدّ الإسلام السياسي فأصبحت تراود حكام أنقرة أحلام نوستالجية عثمانية، في محاولة عودة الى الماضي مع بهارات حداثوية. لا زالت النخبة الحاكمة في تركيا تخلط بين العلمانية والماضوية. عقل مشوّش، البارز فيه الشعور بالعظمة (megalomania) خاصة عند الزعيم، والجهل بالتاريخ، وإنكار التطوّر، وعدم الاعتراف بمحدودية القوة. يملك الأتراك دولة قومية يفقدها العرب، ويسعون إليها دون نجاح. فارق القوة بين العرب والأتراك ليس كافياً للتفوّق. العرب في ثورة مستمرة، تنفجر عنفاً أحياناً، وتعتمل داخل الذات دائماً. شعور قوي لديهم بأن الماضي لم يعد ينفع تكراره.

تستند الدولة الإيرانية الى “ثورة” مستمرة منذ أكثر من أربعين سنة، ولو أن الثورة حدث ولحظة تنتهي حالما تبدأ الدولة ويبدأ الاصلاح. يعتبرون أن مهمتهم هي التبليغ والهداية. يرون في الدين انحرافاً تاريخياً. يريدون الثأر من التاريخ. بدل أن يتجاوزوه يعيشون فيه. الماضوية نبراسهم. يسكونون بماض يرونه لم ينصفهم. يسعود للعدالة في عالم ينكرها لأية دولة. لا يستطيعون العيش في الحاضر، سواء الحاضر الإسلامي مع أكثرية المسلمين على غيرمذهبهم. لا يستطيعون العيش في هذا العالم الذي لم ينصفهم. يريدون إعادة التاريخ، تاريخ 15 قرنا من الزمن، لتحقيق عدالة في المستقبل، عدالة يُسعى إليها وتبقى بعيدة.

الصراع التاريخي بين ايران وطوران (الشعوب التركية أو التركمانية) كان في أواسط أسيا في التاريخ القديم. في هذه المنطقة شعوب بعضها تتكلّم الفارسية وبعضها يتكلّم التركية. والطبيعي أن يكون الامتداد الحيوي ( إن كان ذلك مفهوما صحيحاً) في أواسط أسيا وأن تكون أطماع السيطرة الإيرانية والتركية هناك. لكن المنطقة خاضعة للنفوذ الروسي، وأحيانا الصيني. ليس من حسن الفطن التحرّش بهذه أو تلك. النتائج سوف تكون وخيمة على تركيا أو ايران. إبراز العضلات هو في المنطقة العربية التي تحتقرها أو تكرهها النخب التركية والإيرانية بما فيها سكانها العرب. الأهم من ذلك أن المنطقة العربية تخوض مرحلة ثورية، وهي بلا دولة. المرحلة الثورية يجب أن يتم القضاء عليها حسب قواعد النظام الدولي. انعدام الدولة يجعل الدفاع عن المنطقة أمرا مستحيلا، ويجعل الخضوع لأية قوة امبريالية أمراً متاحاً. يضاف الى ذلك أن العرب عندهم قضية فلسطين. يسهل ابتزاز الشعوب العربية بخصوص قضية فلسطين والهزء بالأنظمة العربية لسبب ذاته. لا يتطلّب الأمر أكثر من مصادرة القضية والتحكّم بما تبقى من قوى عربية تتوخى الصراع أو تتظاهر به.

المعروف لدى من يعقل أن طريق فلسطين واحد. هو بناء مجتمع متماسك في كل قطر عربي، وذلك طريق بناء الدولة لكل قطر. والأرجح أن بناء الأقطار-الدول هو طريق الوحدة العربية. هو الطريق العربية الى فلسطين، ولا طريق غيرها. الطريق الإيرانية والأخرى التركية تريد طريقاً أخرى هي قمع الثورة العربية التي انطلقت في عام 2011 وتحويلها الى صراعات محلية وحروب أهلية بما يعني الإمعان في تفكيك المجتمعات العربية، لا دولها وحسب. أن يعيش العرب دون مجتمع ودون دولة هو الطريق التركو-ايراني. هو طريق الثورة المضادة. هو في الحقيقة طريق الامبريالات الكبرى المؤيدة لإسرائيل والمعادية للعرب لأسباب بعضها عنصري، في سبيل أهداف، بعضها حرب إبادة ضدهم. ليس العرب في وضع الدفاع عن أنفسهم، ويراد أن يجردوا من هذه الإمكانية على مدى المستقبل القريب والبعيد.

يخدم العرب بقاء الدولة التركية، وكذلك الدولة الإيرانية على المدى القريب. لكن يصعب أن تبقى كل منهما دون أن تحتوي نفسها داخل حدودها. تغيير الحدود في أي منطقة في العالم تحتفظ به الامبرياليات الكبرى لنفسها. الامبرياليات الصغرى ينهكها تمددها أكثر مما يفيده، خاصة وأن امكانياتها محدودة. إبراز العضلات المشدودة فيه نوع من الدونكيشوتية. ما يرتكبه العرب، نخبهم على الأقل، بخصوص قضيتهم، وبخصوص فلسطين، ترتكبه كل من ايران وتركيا بشأن نفسها: تقدير للقوى بما لا يتناسب مع القدرات والأحجام.

أما الصراع حول الإسلام فهو صراع حول التأخر والتخلف، والبقاء كذلك. تلعب السعودية وتابعاتها الخليجية دوراً كبيراً في ذلك. لم يعد الدين طريقاً للنهوض والصعود بل للتمزق وتهميش الذات. دين صاغته الحداثة النيوليبرالية بما يكفل العزلة عن العالم ورفض الانخراط فيه، بل والتمنع عن الخروج إليه. لا أحد في العالم يتمسّك بمقولة صراع الحضارات كما تفعل النخب الإسلاموية، ولا أحد في العالم يرفع شعار رفض الغزو الثقافي كما يفعلون. يريدون العيش في عالمهم وهو أصبح فاقداً لمقومات البقاء. لم يكن الخوف من العالم والخوف من الانخراط في العالم سائداً بين المسلمين كما هو اليوم. خوف لا ينتج إلا التفاهة والأنظمة الطغيانية. خوف يستدعي العيش في الماضي والتضييق على الحاضر؛ خوف من الانفتاح والمجتمع المفتوح يستدعي بالضرورة وجود أنظمة قمعية. يراد قمع المستقبل بتقييد الحاضر. وهذا غير ممكن دون القوة الغاشمة لقمع الشعوب.  يهزم المسلمون أنفسهم بالطوق الذي يشيدونه حول أنفسهم. جدار الفصل العنصري هو في أنفسهم. اسرائيل تطبّق ما في نفوسهم. المنطقة الخضراء في بغداد وجوارها، كذلك في بيروت، هي التعبير الأجلى عن أنزواء النفس وانطوائيتها. رهاب يصيبنا وسهامه موجهة من داخلنا الى داخلنا. تدخّل تركيا وايران، يضاف إليهما بهلوانيات الخليج العربي، يسعّر هذا الرهاب.

لا يبدو غريبا أن الدين السياسي ساد في ايران ثم في تركيا، بعد أن تراجعت كل منهما عن علمانية مشهودة. أحداهما في تركيا شديدة القطع مع الماضي، ولم يحصل الأمر نفسه في البلدان العربية رغم قوة التيار. حتى في مصر أطيح بالأخوان المسلمين بعد أول انتخابات عقب ثورة 2011. كانت كل من ايران وتركيا بحاجة الى ايديولوجيا تدعمها في طموحاتها التوسعية وتكمل ايديولوجيتها القومية لتعطيها غطاء مقبولاً لدى الناس أو هكذا ظن القادة في البلدين. الاتجاه شرقاً حيث شعوب تركية وايرانية كان بحكم الممنوع خوفاً من النفوذ الروسي، فكان تدخل كل منهما في بلاد العرب باسم الدين في منافسة على تصدّر القرار ومصادرة قضاياه. جرى اقتحام العرب في دياراهم وفي دين أكثريتهم، وأعتبروا، كما ترمي على الأقل النخب التركية والإيرانية، أن العرب غير أكفاء لمعالجة قضاياهم. استعر الصراع بعد ثورة 2011 على مدى الوطن العربي. الثورة العربية التي شملت المنطقة من المحيط الى المحيط. كانت تشكّل خطراً على الأنظمة العربية وغير العربية، العربية والإسلامية. ثورة ضد الأمر الواقع وضد المنظومة الحاكمة العربية والإسلامية. كان ضرورياً، بنظرهم، شن الثورة المضادة. ولم يكن أنسب من استخدام الدين في سبيل ذلك. ما زال الأمر كذلك. الصراع أساسا هو بين الشعوب العربية ومنظومة حكامها. تحالف هؤلاء الحكام، كل على هواه، مع احدى الامبرياليتين التركية والإيرانية. وكان ضرورياً دخول روسيا في سوريا إذ خسر النظام مواقعه في البداية. اكتفت الولايات المتحدة بدور كبير القوم الذي يوجه ولا يتدخل إلا عند اللزوم، رغم وجود جيوش وعشرات القواعد الأميركية في المنطقة. وكانت الصين في صلب الصراع عن طريق ما يسمى طريق الحرير ومشاريعها الى المساهمة في مشاريع البنى التحتية والنفطية. أصبحت شعوب المنطقة في جهة والأنظمة العربية والمنظومة الحاكمة في جهة أخرى والامبريالات الصغرى والكبرى الداعمة لهذا الطرف أو ذاك في صفوف الحكام. أمعنت الجيوش المحلية والاقليمية في النهش في جسم هذه المجتمعات وقتل أهلها. يمكن تسميتها حرب إبادة. وفي هذه الحرب تنظيف عرقي-مذهبي. مئات ألاف، إن لم يكن ملايين القتلى وملايين الجرحى وعشرات ملايين المهجرين دون مأوى.

كان طبيعياً أن تّخترع عدة تسميات للضحايا. أولاً، نتهم الشعوب بالإرهاب. وهل الثورة عملاً قانونياً؟ أم الاستبداد هو الذي يخترع الإرهاب ويحوّل الثورة من سلمية الى العنف المسلح. وهل مطلوب من الشعوب أن لا تدافع عن نفسها في وجه أنظمة استبدادية تحتقر الشعوب والمجتمعات ولا تعتبرها ذات قيمة إلا بمقدار ما تكون خاضعة مستسلمة وتنتج فائض القيمة والثروة كي تتسلّح بها الأنظمة، وتنهبها الامبرياليات الكبرى والصغرى. صغارها بنهبون المعامل وكبارها يصادرون النفط. هؤلاء بدعون العداء لإسرائيل وهؤلاء يدعمونها وصولا الى صفقة القرن، لكن جميع الامبرياليات الإقليمية والكبرى مجمعة على أن تكون لدى العرب ثورة وعلى أن يبلغ الصراع حد التهجير الجماعي، إن لم تكن الإبادة الجماعية. عودة الاستعمار بدأت مع حرب الخليج واستعرت بعد ثورة 2011. الامبرياليات الصغرى والكبرى تريد النهب (ومن ضمنه النفط)، والمجتمعات تريد التحرر. الحرية ممنوعة على هذه الشعوب العربية. هي بنظرهم لا تستحق ذلك، تارة لأنها لا تفهم الإسلام الحق، ودائماً لأنها ترفض النظام العالمي الامبريالي، نظام للنهب ودعم الاستبداد. شعوب أسقطت الإسلام السياسي في بلادها وامبرياليات تريد هدايتها وأخرى تريد إرشادها على طريق الحداثة والتقدم. الجانب الثقافي للإمبريالية كان دائما مهماً. قيادتها تريد تبرير جرائمها أمام شعوبها بواسطة نشر الحداثة أو الهداية الدينية. لم يكن غريباً اختلاط الدين بالعلمانية والحداثة لدى القوى الامبريالية. المجتمعات العربية لا تفهم كفاية. لا تفهم ما يُراد منها. إذ تُشن الحرب ضدها وضد أهدافها.

يعلو شأن المقدسات عند الأتراك والإيرانيين في الوقت الذي تنهار عند العرب. منذ ثورة 2011 والمقدسات عند العرب تنهار ومعها الطغاة، وتتقدم روح التساؤل والشك وانعدام اليقين والإحساس بالهزيمة والتأخر. لا يتحدث العرب إلا عن هزائمهم والاحتقان الذي يعانون منه. لا يتحدث الأتراك والإيرانيون إلا عن انجازاتهم (بالأحرى انجازات الطغاة).

انتقل الإيرانيون والأتراك، خاصة الإيرانيون، من عبادة الله الى عبادة الفرد، المرشد المعصوم الذي ينوب عن الله. من يمثله على الأرض يوزع المهام أو التكليفات الشرعية. في تركيا طاغية يضع نفسه مكان أبي الأتراك. صورة من المرشد وإن جرى إنتاجه ديمقراطياً. على كل حال، هي ديمقراطية مشوهة لأنها انتقائية. انتقل الأتراك والإيرانيون الى الماضي. سلفية بدأ العرب يخرجون منها، ليدخل الآخرون فيها. السلفية هي العيش في الماضي وجعل الماضي حاضر، بالأحرى صياغة الحاضر على قدر الماضي الموهوم.  مشكلة العرب سياسية، وهذا ما يجعل طغاة العالم القريب والبعيد، بل حكام العرب والمسلمين، ضد الشعوب العربية. كون المشكلة سياسية يعني أن الناس يسيرون باتجاه التحرر، ولو كان الأمر طريق الآلام. مشكلة الأتراك والإيرانيين ثقافية تختصر نفسها بالدين.  الدين يقسّم العالم الى مقدس ودنيوي، الى نفيس وخسيس. أعادوا الاعتبار للمقدس، أدخلوه الى حياتهم اليومية، جعلوه نبراس التعامل فيما بينهم. تملك الخوف السلطات الحاكمة في تركيا وإيران. لم يبق أمامهما إلا إعادة الأمور الى ما كانت عليه، كما يتوهمون. وهذا لا يكون إلا بالعنف الرجعي. اختار الإيرانيون والأتراك المستحيل. اختار العرب الممكن. السقوط من التاريخ أمر مؤكد لمن لا يعترف بالتاريخ. المستقبل ممكن لمن يعترف بالممكن.

أراد العرب الحرية. أرادوا الانخراط في العالم. اعتبروا المسألة سياسية لا ثقافية. ناضلوا من أجل ذلك. أسقطوا الأنظمة. منعوا صعود الدين السياسي. أراد حكام ايران وتركيا العزلة ومواجهة العالم ومعاقبة العرب على انفتاحهم على العالم؛ انحازوا الى جانب أنظمة الاستبداد. ساروا على المسار الخاطئ في التاريخ. سيصلوا الى طريق مسدود. يحققون انتصارات عابرة سطحية على أرض العرب. مسكونون بذاتهم. مصرون على مجتمعات مغلقة. يرفضون ثقافة الغرب ويتحالفون معه (ضد العرب). يحسبون أن الصراع هو على الإسلام. الصراع حول المستقبل. بالسياسة وبناء الدولة وتماسك المجتمع. هذا ما ينكرونه. يعيشون في حالة إنكار دائمة. يحتاجون الى مصالحة مع الشعوب العربية. هذا وحده ما سيفتح المستقبل أمامهم. هذا وحده ما سيخرجهم عن عزلتهم. ليس التحالف مع الامبرياليات الكبرى هو ما سوف ينقذهم. العلاقة السوية مع العرب هي ما سوف ينقذهم.

الى أن يصلوا الى هذا الاستنتاج، على الصعيد النظري والعملي، سيكون هناك دم كثير، وخراب كبير. العرب الذين قرروا الثورة وقلب أوضاعهم لن يخصعوا لامبرياليات أخرى صغيرة وشقيقة في الدين.

Leave a Reply