13
Dec
2019
1

الفساد ٢ – الطائفية عين الفساد

النظام العالمي بؤرة عالمية للفساد. ثقافة تفرض نفسها على جميع سكان الكرة الأرضية. هذا كان موضوعنا في الحلقة السابقة من هذه السلسلة. باختصار شديد في بلدان المركز الرأسمالي يتخذ الفساد أشكالاً قانونية وممارسات أنيقة. هي ما يحسدها عليه أبناء بلدان الأطراف. يحكمون بالقانون مهما كان مركز الشخص. يتمتعون بالحريات مهما هبط مستوى الشخص. يستطيع أي شخص أن يشتم أي شخص دون إدانة. للحرية قدسيتها. تزدهر عندهم العلوم والفنون.  أبناؤنا يدرسون عندهم. الأغلب أن الأكثر مهارة يبقون هناك، والأقل ذكاء يبقون هنا. هذا لا ينفي أن الكثير من الأذكياء والمهرة وذوي الخبرة يبقون هنا، لكنهم سرعان ما يغرقون في الرمال المتحركة إذا لم يدركوا أنفسهم.

منذ الاستقلال ونحن نسمع القصص نفسها عن الفساد، ونقمة الناس على الفساد وأهله. بالرغم من ذلك تنتخب النخبة السياسية، أي النواب، بحماس. وكثيراً ما يتقاتل الناس في مرحلة الانتخابات النيابية، ويسقط قتلى وجرحى. الناخبون يعرفون مدى فساد الذين ينتخبونهم ومدى قلة الحياء عندهم. الحرب الأهلية تفصل بين عهدين. أولهما فساد مع حياء، وثانيهما انقطع فيها “شلش الحياء” كما يقولون. الطائفية ليست وعاء للدين بقدر ما هي وعاء للفساد. تستمر الطائفية لممارسة الفساد والاستفادة من حماية أكباش الطوائف. الايمان أزيح جانباً. الايمان الوحيد هو بالمال. في عصر النيوليبرالية وأسلوب العيش الاستهلاكي لا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك. الفساد الصغير فساد البيروقراطية وصغار الموظفين يضاف الى الفساد الأكبر. فساد المرتشين يضاف الى فساد الراشين من أصحاب الأموال. الطائفية تحمي الطرفين. فضائح رجال الدين لا تحصى. الإله الآخر ليس الشيطان بل هو المال نفسه. تناسوا الله الذي يُفترض أن يكون إله الخير. الخير في المال وحده. هو إله مالي. هو إله مالي تحوّل الى واحد من كبار الأثرياء. لا يعرف الشيطان ماذا يفعل. أصحاب المال من أتباع عدوه ينشئون هيئات خيرية وجمعيات تُعنى بمساعدة الفقراء. يستخدمون إله الخير. لكن إله الشر يدير الجميع. وهل الرأسمالية مجال للخير في العلاقة بين الرأسمالي والفقراء؟ لا شيء يكفر عن زعرنات الرأسماليين.

الطائفية في لبنان أسلوب عيش. جزء من أسلوب الإنتاج، بنية فوقية لقاعدة إنتاجية قائمة على الفساد: الاستغلال والنهب واحتقار الناس. يستوي في ذلك المسلمون والمسيحيون وان اختلفت مذاهبهم. لا يمكن أن ينشأ حزب ديني، أو حركة دينية، لمصلحة الفقراء والمحرومين. لا يمكن أن يكون الأمر إلا لمصلحة البورجوازية. الدين عندنا ليس للعبادة. ليس لبناء علاقة مع الله. ليس اتصال بالمتسامي. هو مجرد تنظيم اجتماعي يتبع كبش الطائفة، مهمته دعم الكبش وحماية فساده وفساد أتباعه. الأخلاق التي يبشر بها الدين تنتزعها منه الطائفية وترميها في سلة المهملات. الطائفية تصير نقيض الأخلاق. تبيح تجاوز القانون. تبيح الارتكابات، وتحمي أصحابها. الطائفة تدفع أتباعها للارتكاب. الاعتقاد أن كل ما يأتيها من أصحابها وأتباعها هو خير ولو كان مالاً مسروقاً منهوباً. اشتهر أصحاب الدين بحب المال والملكية مهما كانا. بل رجال الدين جعلوا مهمتهم في زمن الطائفية جمع المال المنهوب. هم أشبه بعصابات من قطاع الطرق. يقطعون الخير عن أصحابه. يرتكبون الموبقات مهما كانت. الغاية تبرر الوسيلة. أية غاية وأية وسيلة؟ الشيطان في خدمة الله. بدل العمل والإنتاج يجدون في السرقة من أجل أنفسهم ومن أجل الطائفة وسيلة لإنتاج يدر المال، وسيلة من نوع آخر، وسيلة قذرة يبررونها بالدين. لو تركوا الله قليلاً ونصبوا الضمير حاكماً لأفعاله لاهتدوا الى الخير وكان الملهم غير الشيطان.

في النيوليبرالية سرقة غير مسبوقة. عودة الى التملّك بمصادرة أموال وأملاك الناس. في بلادنا الطائفية سبب إضافي لتبرير السرقات الرأسمالية. حصة المؤسسات الدينية، وهي طائفية بطبعها، قليلة لكنها ذات مردود كاف لتبرير الرأسمالية الكبرى، ولتبرير الفساد الأكبر. يستحيل النضال ضد الفساد في نظام طائفي. الطائفية تحمي الفساد. الطوائف تعتبر الفساد مصدر رزق لها.

مضى زمن كانت فيه الطائفة ضمن الدولة. صارت الطائفة نقيض الدولة وخطراً عليها. نقيض الفساد هو الدولة وهو السياسة. نقيض الدولة هو الطائفة.  ربيب الطائفة هو الدين. الدين بما هو اعتقاد زائف بالحقيقة المطلقة هو ربيب الفساد. عالم الكون والفساد يتشكّل من أديان. الدين في أصل البشرية ما دام الفساد طريقة عيشها. هل يزول الفساد بزوال الدين أو على الأقل زوال الطائفية؟ الدين علاقة بالمتسامي، أو ما يفترض أن يكون كذلك. السياسة المفضية الى الدولة هي علاقة أفقية بين البشر. يفترض الدين هيراركية يكون فيها الناس أعلى وأنبل من بعضهم البعض. تفترض السياسة علاقات متساوية بين الأفراد. وتفترض الأفراد موظفين ذوي حقوق وواجبات متساوية. يفصل الدين بين الحقوق والواجبات. يقع عبء الواجبات على البشرية والحقوق يملكها من هو صاحب الخلق. لا حقوق في الدين. كل ما فيه هو واجبات. يولد الانسان في الدين مديونا، وعليه بقية حياته أن يؤدي ما عليه من الديون لخالقه، بالأحرى لمن ينوب عن خالقه في هذه الأرض. الدين علاقات عمودية بين البشري وخالقه. السياسة علاقات أفقية بين البشري والبشري. في العلاقات العمودية استبداد الأعلى بالأدنى، واستغلال الأعلى للأدنى، وعيش الأعلى على حساب الأدنى. ليس في علاقات الهيراركية والنبالة والدين تسامح. هو في العلاقات الأفقية فقط. النفاق في الدين هو إدعاء التسامح والمحبة. الأعلى لا يتسامح مع الأدنى ولا يحبه. الأعلى يطلب من الأدنى أن يؤدي ما عليه، وأن يؤدي دينه، وألا يُنقل من عبودية نسبية الى عبودية مطلقة. لا يستطيع الدين إدعاء الحقيقة المطلقة وأن يترك في نفس الوقت الحرية للبشري في أن يؤدي أو لا يؤدي ما عليه. الحقيقة المطلقة تنكر النسبية. السياسة لا تعترف إلا بالنسبية وبالاختلاف بين البشر وإمكانية التلاقي. الحقيقة المطلقة واجبة لمن يعتقد بها. واجب تبعاً لذلك استخدام جميع الوسائل لخدمتها. الحقيقة المطلقة وهم. وما يخدمها هو مجموعة من الأكاذيب والنفاق. كان محتماً على الدين منذ فجر الخليقة خدمة السلطة لأنها هيراركية تراتبية. يعلو فيها الأنبل على الأحسن. لا يستطيع الدين ووليدته الطائفة إلا أن يكونا ضد البشري المُستغل المضطهد المقموع. الدين مضطر لخدمة النبالة والاستغلال والخداع، ومضطر أن يُلْبِس الاضهاد ثوب المحبة والتسامح. يتسامحون مع البشر لإبقائهم قيد الحياة، لا محبة بهم بل لأن بقاءهم يجعل إنتاج فائض القيمة (الربع والربح والفائدة) ممكناً. يستحيل أن يكون هناك دائنون دون مدينين. الدين هو دائماً في خدمة الدائنين. هو واحد من الدائنين. يفترض الله دائناً ولا يعتبره نعمة أو لطفاً. الشيطان في الدين حضوره دائم. هو عقاب المديونين الذين يعجزون عن الإيفاء بديونهم. وهم عاجزون دائماً لأنهم يولدون في الاستدانة. يرفع الشيطان الى مستوى منافس لله الخالق، لأن الاستدانة والعجز عن إيفاء الدين دائمان. يصير الشيطان خصم الله، ينافسه في السلطة على الخليقة. اللحظة التي يعتبر الله فيها سلطة، يصير الشيطان سلطة منافسة. الصراع على ما لدى البشر يتطلّب منافسة دائمة بين الدائن والمديون. منافسة في السماء. نتائجها على الأرض: صراعاً بين البشر وحروباً دائمة وعبودية دائمة.  لا يستطيعون تخليص الله من السلطة الطبقية ليتخلّص البشري من العبودية الطبقية. الخلاص ليس إلهاً منقذاً. مهمته منذ البداية أن يكون منقذاً. منقذا من السقوط. السقوط ليس في الخطيئة بل في الاستغلال والعبودية والاستدانة. ما كان على الله أن يكون منقذا لو كان منذ البداية رحمة ونعمة ولطفاً؛ لو كان الله كما يجب أن يكون لا كما افترضه أصحاب السلطة والتراتبية واستعلاء البشر على البشر الآخرين.

الطائفية مساوية للفساد ليس فقط لأنها تعتمد على مبدأ الجماعة التي تحمي أتباعها وتعتبرهم من الخطوط الحمر. هي الفساد بيعنه لأنها تعتبر أتباعها أخياراً في حين أن الطوائف الأخرى بنظرها أشراراً. أصحاب الأخيار أتباع الله. الطوائف الأخرى أتباع الشيطان. الاعتقاد بوجود الشيطان هو بحد ذاته الفساد، وإنكار أن لا وجود إلا لله والخير والنعمة واللطف. لولا الاعتقاد بوجود الشيطان (أي الآخر الذي هو مدان بحكم كونه آخراً) لما كانت الحروب الدينية هي التاريخ البشري.

كل طائفة تشيطن الآخرين وتجعل وجود الدولة مستحيلاً. هي نقيض السياسة. السياسة أساس الدولة. الدولة اجتماع بشري. علاقات أفقية بينهم. الطائفة تنبع من علاقات عمودية بين الدين والخالق. هي الزيف والنفاق بعينهما. تكون الدولة ممكنة حين يكون الدين مدنياً يدعي الايمان في علاقة مع الله ولا يدعي الحقيقة المطلقة. وبالتالي يكون الدين معتقداً اختيارياً.  لا مفروضاً بالسليقة. في الدين المدني نسبية حقيقية وإمكانية أن يكون وجود الآخر مناسباً؛ افتراض أن يمتلك الآخر، من دين آخر أو من طائفة أخرى، جزءاً من الحقيقة، جزءاً كبيراً أو صغيراً. الاعتقاد بأفضلية الطائفة على غيرها نوع من الصهيونية (شعب الله المختار). في كل الأديان صهيونيات. وفي كل منها تأسيس للأصولية والإرهاب والاستغلال.

الدين يولّد الطائفية والطائفية أصل الفساد. تعتبر مهمتها أن يكون لها حصة في النظام وأن تكون للطوائف الأخرى حصة لكل منها، وأن تكون حصة كل طائفة أكبر من حصص الطوائف الأخرى. بل لا مانع من مد يد الطائفة الى حصص الطوائف الأخرى.  ما لنا لنا، وما لهم لنا ولهم. ليس في هذا النظام إنتاج لتكبير الاقتصاد وبالتالي تكبير حصة الطائفة مهما كان حجم النظام. همّ الطوائف ليس مجمل الاقتصاد بل حصتها من الاقتصاد سواء كبر أو صغر.  فليذهب الاقتصاد الى الجحيم. كل طائفة تريد حصة. لا يستطيع النظام اجتراح خطة نمو لأن همّ ممثلي الطوائف في السلطة هو الحصة لا الحجم الاجمالي.

هناك ازدواجية القوانين، قوانين الدولة وقوانين الطوائف. وهناك ازدواجية السلاح، سلاح الدولة وسلاح الطائفة، وهناك تعدد المعايير التي يواجهها كل فرد. يسحب ذلك على أجهزة السلطة الأمنية والقضائية وبقية البيروقراطية. يُصاب كل مواطن بانفصام الشخصية. يضطر كل واحد أن يتكلّم بخطابات متعددة. حتى الأحرار من المعتقدات الدينية والانتماءات الطائفية يضطرون الى مراعاة الآخرين، ويتحدثون بلغة ملطفة. الكل يبتعد عن الصراحة والانفتاح. المجتمع مغلق وكل فرد مغلق. النفاق تجاه الجميع هو أسلوب الحياة. تحمي كل طائفة أتباعها. يصير الفساد مبرراً لأن هناك من يدافع عمن ارتكبه. وإذا حدث أن تجاوز الناس طائفيتهم في الثورة، تفعل السلطة كل ما بوسعها لإثارة الطائفية في هذه المنطقة أو تلك. وإذا لم ينجح ذلك، تتعامل مع الثوار المتجاوزين لطائفيتهم بالقتل والتهديد. طائفية تمزّق المجتمع وتحيله أشلاء. خطاب الثوار وحده ضد الفساد. خطاب السلطة تمزيقي يدفع بالشبيحة لاستعادة رواج الطائفية وحماية الفساد. “كلن يعني كلن” أصاب مجمل الطبقة السياسية فاستشاط غيظها. لغة الشارع (أي المجتمع) هي غير لغة أهل السلطة وأحزابها. هؤلاء يريدون حلولاً وأولئك يرفضون الحلول حفاظاً على أكباش الطوائف. يريد الثوار تجاوز ما هم فيه. يضيّق عليهم أهل السلطة وأحزابها. أموال الناس في البنوك، إذن إغلاق البنوك. زيادة على فقر الفقراء، إضافة تفليس الطبقة الوسطى والبورجوازية الصغيرة. تجويع الجميع. أمامهم واحد من خيارين: إما الخضوع وإما الجوع. تجويع الناس برنامج السلطة. هذه لا يهمها أوجاع الناس. على العكس، يتلذذون بذلك. سادية بلغت حدها الأقصى. تجاوز الحكام حد السلطة. بدل أن تكون مهمتهم إدارة شؤون المجتمع نحو الأفضل بالطبع، تصير مهمتهم قمع المجتمع وتجويعه بجميع طبقاته. الجوع المزمن موجود. يُضاف إليه الآن مع تطوّر الثورة تجويع الطبقات المشاركة فيها والتي لم تكن جائعة قبل الثورة. على المجتمع أن يجوع قبل أن يستسلم. هذه هي خطة السلطة. لا يبحث أركانها في الحلول للفقراء والفقراء المحتملين. يبحثون في تكبير حصة كل منهم في المشاورات لتشكيل حكومة، وأية حكومة. إمكانية الانهيار، والبعض يقول أنه واقع فعلاً، هي من صنع السلطة لا من صنع الثوار. تريد السلطة مجتمعاً مدجناً غير قابل للثورة والاحتجاج والدفاع عن نفسه.

عين الفساد هو سلطة التي لا تفكّر بإدارة المجتمع بل قمعه. سادية السلطة كما تبيّن من مجريات الأحداث غير مسبوقة. كل من أعضائها مسكون بنفسه، لا يرى أن في الساحات جموعاً تدفعها أوضاعها المزرية الى الاحتجاج والثورة.

الطائفية عين الفساد. جريمة منظّمة. لا لسبب آخر سوى أنها نقيض الدولة.  لا تستقيم الدولة ولا الحكم حسب القانون بوجود الطائفية. ارتباط الطائفية بالدين أو بالمذهب يجعل كل من هذين نوعاً من النفاق. يستقيم أمر الدين حين يصبح مدنياً، فردياً، اختياريا، بعيدا عن السياسة. ليس المطلوب إلغاء الدين بل تغيير وجهته وتحويله الى اعتقاد بالله وحسب  دون تدخّل في التعيينات، ودون حماية أصحابها المرتكبين، ودون تنظيم سياسي للمذهب، بل جعله تنظيماً موازياً للجمعيات المدنية الأخرى. انتزاع صفة المكوّن الاجتماعي عن الطائفة هو الأساس. الفرد هو مكوّن المجتمع لا الطائفة. الفرد هو مكوّن الطائفة لا الطائفة هي التي تكوّن الفرد. يجب انتزاع الوحدانية الهوياتية من الطائفية. ليس الفرد ذا هوية واحدة، هي الطائفة. هو متعدد الهويات قادر على أن يتخلى عن أي منها في أي وقت. وهي هوية، حتى لو وجدت ذات صفة ثانوية بالنسبة للمواطنة. الفرد مواطن أولاً وابن طائفة أو قومية ثانياً أو ثالثاً. ليست المسألة أن الطائفية تحمي الفساد بل هي أن الفساد يحمي الطائفية. الطائفة عين الفساد. تجر معها الدين ليصير عين الفساد.

في حالتنا الراهنة، الطائفية أداة الثورة المضادة. نشبت الثورة لأن الناس تجاوزوا طوائفهم واتجهوا الى تبني المواطنية، بمعنى الولاء أو الانغراز في الدولة. واجهتهم السلطة أو الثورة المضادة يإثارة النعرات الطائفية التي كادت تتجه نحو التلاشي. الطبقة الحاكمة نيوليبرالية ومستخدمة للطائفية في آن معاً. تريد الثورة المضادة إعادة الأمر الى ما كان عليه قبل الثورة، فتستخدم الطائفية، والفضائح الطائفية، والجرائم الطائفية وبأبشع صورها. التصرف بشأن رئاسة الحكومة، الجمعيات الدينية، التركيز على جرائم المخدرات في منطقة، والإرهاب في منطقة أخرى، استخدام القضاء لأغراض منحازة في هذا الوقت، كل ذلك يشي بما تريده السلطة وما تخطط له. ليست براءة الأطفال في عيني الثورة، لكن تصرف السلطة يشير الى شرور كثيرة في دهاليز السلطة وموقفها من الثوار، وعدم اعتبارهم  إلا كقطعان تساق الى القمع ومزيد من الإفقار والاضطهاد. تحولت الطائفية لتصير المحاكم الروحية ذات أولوية على محاكم القانون المدني. جريمة يجب أن تدان. هناك تراجع كبير بمعنى الدولة. تراجع مبرمج. على كل منا نزع الاحترام للطائفة والتكلّم بحرية عن الطوائف الأخرى، دون التقيّد بالاتيكيت الطائفي الذي يفترض أن كلاً منا يستطيع أن ينطق سلباً عن طائفته لا عن الطوائف الأخرى. كل منا مكوّن في كل الطوائف لا في طائفته وحدها.

سلاح المقاومة يتمسّك به الشيعة لأسباب معروفة، وهو يُعتبر تآكلاً للدولة. لكن كل طائفة لها محاكم روحية هي تآكل للدولة بشكل أوسع وأعم. كل طائفة تمارس شؤونها السياسية باستقلال عن الدولة وتفرض ذلك. ألا يُعتبر ذلك انتقاصاً للدولة، بل خروجاً على القانون؟ القانون يؤدي غرضه في كيان الدولة عندما يُفرض على الجميع بالتساوي والتماثل. لا خير في مجتمع أو دولة تشكّل فيها كل طائفة كياناً مستقلاً بقوانينه وحياته السياسية. التعددية الثقافية شيء والتعددية السياسية شيء آخر. في الثانية تقسيم الدولة. في الأولى تنوّع يمكن أن يكون مصدر إغناء وإثراء للتراث الشعبي.

Leave a Reply