20
Dec
2019
0

الفساد ٣ – السياسة والاخلاق والمقاومة

الفساد قضية سياسية بالدرجة الأولى؛ أخلاقية بالدرجة الثانية. لا يستطيع مقاومة ارتكاب الفساد الشخصي إلا من كان كثير الاعتداد بنفسه. يعمل حسب ضميره. يعتبر إملاءات الضمير أهم بكثير من إغراءات الدنيا. أمثاله قلة من الناس. دافعهم في الأساس أخلاقي ثم سياسي. هؤلاء هو المعارضون الحقيقيون للنظام بغض النظر عن الانتماءات السياسية والطائفية.

الفساد أحد أنماط العيش في النظام الرأسمالي، خاصة في عهد النيوليبرالية. فردية خالية من المشاعر حتى الأخلاقية والإنسانية والعائلية. أن تكون فاسداً معناه أنك استكملت دورك في النيوليبرالية. أولاً، أنت متروك لنفسك، ثانياً، نجاحك يقاس بما تحصل عليه من المال. مقياس النجاح هو المال لا ما في الضمير أو في الرأس. الضمير مُلغى، الرأس بخس. حميمية الحياة ملغاة. العلاقات البشرية محطمة. المعنى الانساني مدمّر. ما يرفع المعنويات الفردية قليلاً، وكثيراً هو الحصول على المال بطريقة قانونية أو غير قانونية. غالباً ما تكون الطرق غير القانونية أكثر ربحاً. عندما يفقد المرء عاطفته ( وهذا أمر حتمي في النيوليبرالية)، يفقد ملكة الضمير والتهذيب. تجف أو تنقطع روابطه الانسانية. الانسان خارج دائرته الصغرى لا يعنيه شيئاً. التضامن الانساني يخضع لعوامل ضريبية. يختفي العطف أو الرحمة. حاولت الليبرالية احلال النقابات والضمانات الاجتماعية. ألغت النيوليبرالية ذلك. خلق الانسان ليعمل حتى تراجعت قوة عمله ليصير كائناً لا لزوم له. ليس صدفة تلاشي النقابات والأحزاب وشتى أنواع التعاون الانساني التلقائي. تزدهر مؤسسات الاحسان وما يُسمى NGO (تنظيمات غير حكومية) التي يدعمها أصحاب المال والسلطة. تصير المساعدات، أو التضامن الانساني، ليس حقاً للفقراء ولا واجباً قانونياً على الأغنياء. تصير واقعاً تبريرياً لتفاوت الدخل. تسمى المؤسسات (Foundation) باسمهم. كذلك مؤسسات الدفاع عن الحقوق والفقر. ما يقدمونه هو منة منهم. على الفقراء أن يكونوا شاكرين. بغض النظر إذا كانت تقديمات الأغنياء للتهرّب من الضرائب أو التوسّع في مشهدية الإحسان التي تجعل من ثروتهم أمراً يجب أن يُحترم ويُخضع له. الإخضاع عن طريق الإحسان يحل مكان الحقوق والواجبات. يوهمون المجتمع بأن الضمير يقتصر على الأغنياء. الفقراء يُعتبرون أكثر ميلاً للكسل، ويستحقون أن يكون فقراء؛ وأكثر ميلاً لجريمة، يستحقون أن يُعاقبوا. وجيوبهم خالية، فيستحقون أن يحتضروا في عالم مثله الأعلى جني الأموال واستعراضات، حتى ولو كان في الأمر مشهدية ومسرحية سمجة، ووقاحة مبالغ بها. على الفقراء ليس فقط أن يخضعوا، فالقانون هو لصالح الأغنياء نصوصاً وتنفيذاً. عليهم أيضاً أن يكونوا ممتنين، بعد سلخ العاملين عن نتاج عملهم، ومصادرة فائض القيمة، إضافة الى ما يدر المال على الأغنياء من أعمال السمسرة والنهب ومصادرة المشاعات. على الفقراء أن يغضوا الطرف، والأفضل أن يتعلموا شيئاً في المدارس والجامعات ليصبحوا أكثر ملاءمة للخدمة في العمل. لذلك تزدهر الأعمال. أعمال الأغنياء في العتم وبواسطة صفقات تطبخ حسب القانون في العتم. يحولون نهار الفقراء الى ليل الجهالة والتجهيل. التجهيل صناعة لا تقل أثراً عن التعليم بجميع مراحله. يصير التعليم سلعة تجارية لخلق أجيال من المهرة الصالحين لسوق العمل وللإنتاج وأعادة الإنتاج وإعادة التناسل. الناس يلزمون في سوق العمل فقط. حيث ينتجون فائض القيمة التي يصادرها أصحاب العمل.

الفساد قضية سياسية بمقدار ما هو سلب وتعدٍ على المال العام والأملاك العامة من مشاعات وغيرها. كل ما في المجال العام عرضة للمصادرة وصولاً الى الأملاك الخاصة. ينتقلون من سرقة المجال العام الى سرقة المال الخاص والملكية الخاصة. السياسة وسيلة للاقتطاع ومراكمة الثروة. السيطرة على السلطة ضرورية. لتصير قوى النظام المسلحة وقوى القضاء والقانون في خدمة الأثرياء. تضخّم الثروة بجميع أشكاله شكل من الفساد. الإفقار المبرمج والهادف، وما لا يشبع الأغنياء من نهب وسطو وسرقة ونهب، بجميع الأنواع، قانونية وغير قانونية، هو جريمة يرتكبها الأغنياء ولا يحاسب عليها القانون. حتى ولو كانت هناك نصوص قانونية، إلا أنه يصعب تنفيذها، إن لم يكن مستحيلاً. يصعب الوصول الى الفاسدين لمعاقبتهم. إذ كيف تحاسب الطبقة العليا نفسها وهي قابضة على السلطة. طبقة لا تمانع في رفع شعار محاربة الفساد، لكنها تمانع في محاسبة الفاسدين إلا نادراً.

الفساد قضية سياسية يطرحها أصحاب السلطة بين الحين والآخر، للدفاع عن نظامهم، والظهور بمظهر الاستقامة. الكل يتهم بالفساد. كلّ من أطراف السلطة يعتبر حاله بريئاً. إذن يقع عبء الدفاع عن النفس ، على أطراف النظام الأخرى التي لا تشارك في السلطة أو التي تشارك في حكومة توافقية. أكثر ما يكون التعتيم والتجهيل هو عندما يكون الحكم توافقياً. تختفي إمكانية الإدانة بالفساد لأن الكل مشاركون في والفساد والكل متنصّل من المسؤولية.

منذ عقود تحولّ عيد العمال السنوي الى عيد العمل والآن يحاربون الفساد لا الفاسدين، بل فكرة الفساد التي يجمع عليها الجميع. يمتنع أبناء الطبقة الفاسدة من الإشارة بالأصبع الى هذا أو ذاك من الفاسدين أو من الإشارة الى حالة معينة من الفساد لأن حالة واحدة يمكن أن تجر الى حالات أخرى ومفسدين آخرين. محاربة الفساد هي محاربة فكرة، أسوة يجميع المقولات الآخرى. تعميم محاربة الفساد لا يهدف الى الإدانة الفاسدين بل إدانة فكرة. الاهتمام يميتافيزيقيا الموضوع لا يتجلياته على الأرض واستخدامه الحثيث من قبل ناس معينين.

الفساد قضية سياسية تفرض محاسبة الفساد والفاسدين، خاصة بعد أن صار الفساد عاماً، وطريقة حياة أو أسلوب عيش. ينجوا أصحاب الأخلاق من ذلك. لا يفعلون إلا ما تمليه عليه ضمائرهم ولا يرتكبون حتى عندما يتعارض حكم الضمير مع القانون، أو تستدعي الظروف بفعل أمر حسن لا نص عليه في القانون. ينجو الأخلاقيون من المسألة مع أنهم مستهدفون إلا عندما يخالفون القانون في قضايا تتطلّب قرارات حسب أحكام الضمير.

تفاقمت الزبائنية عندما تفاقم الطائفية والفساد. يضطر الزبائن الى طاعة أكباش طوائفهم، وطوائفهم عامة، والى مخالفة القانون بالسيطرة على الأموال العامة بما يخالف القانون بطلب من أكباش الطوائف والزعماء. هؤلاء يوفرون لهم الحماية. حماية كبار الفاسدين لأن محاسبتهم تستدعي أعلى المراجع الطائفية، وأكثر خطوط الحمر احمرارا، وتنذر بما لا يحمد عقباه من الفتن الطائفية.  العامة من الفاسدين يمارسون مهامهم دون أن يكترث بهم أحد. إزالة الفساد تستدعي إزالة الطائفية من الحياة العامة والقضاء على زعماء المحاصصة.

أصحاب الفساد كأحزاب وجماعات سياسية لديهم دائماً أهداف نبيلة. باسم هذه الأهداف يستطيعون ممارسة كل أنواع الفساد. والقضية تحميهم لا بمعنى أن الغاية تبرر الوسيلة بل بمعنى أنهم الأشراف دون غيرهم من الناس. لا يدركون أن قضية فلسطين هي قضية كل الناس (تقريباً) لكن أصحاب المقاومة يميزون أنفسهم عن بقية الناس لا سياسياً وحسب، بل أخلاقياً، بسبب القضية، وتنشأ هوة بينهم وبين عموم الناس، وينشأ خلل في تركيباتهم التنظيمية. كوادرهم لا ترضى منهم أن يتحالفوا مع أرباب الفساد، ويحمونهم باسم حجج واهية، أهمها وحدة القضية أو وحدة الطائفة. إذا كنت محارباً للفساد فعلاً فعليك أن تحارب كل من يمارسه ولو كان حليفك. القضية لا تُبنى على فساد. كل ما بني على باطل فهو باطل. من حيث يدرون أو لا يدرون، هم يزعزعون قضيتهم النبيلة بحمايتهم أصحاب الفساد عن طريق التحالف معهم. لا يمكنهم القول أن الفساد قضية جانبية وأن قضيتهم الكبرى تستدعي تحالفات جانبية وفساداً جانبياً. الفساد أسلوب عيش في نظام ليبرالي كالذي تعيشه المجتمعات العربية والتحالف مع أصحابه يزعزع القضية الكبرى وأصحاب القضية. أن تحالف المقاومة مع أركان الفساد في العديد من البلدان العربية زعزع قضيتهم من أساسها. وهذا الأمر يجدر دفعنا الى مفهوم المقاومة ذاته ومناقشته وتغيير محتواه بعد تحالف “المقاومة” مع الفساد ردحاً طويلا من الزمن. إذا كانت الطائفية عين الفساد كما ذكرنا في مقالة سابقة، وإذا كانت القضية، وهي “المقاومة”، تضطر أصحابها الى التحالف مع أعداء المقاومة ومع أرباب الفساد، فمن الضروري العودة الى التفكير في مفهوم المقاومة ذاتها. يطرح علينا هذا الأمر  التساؤل التالي: هل المقاومة هي ما يقتصر على العمل العسكري، واستخدام سلاح لا بد منه، أم المقاومة هي ما يجب أن يكون مفهوما أعم وأشمل؟ مفهوماً يتطلب الاشتمال على بناء المجتمع، ودمج المقاومة وسلاحها، والتركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية. باختصار: هل المقاومة هي بالسلاح وحده، أم هي أيضاً بالإنتاج والعمل والسعي الى بناء مجتمع متماسك؟ لا يتماسك المجتمع إلا بالإنتاج والتقدم الاجتماعي والاقتصادي. هل يجدر أن تنزل “المقاومة” من عليائها لتصبح واحدة من قضايا الناس، فيتساوى أصحابها بالناس؟ أم تبقى ” المقاومة” مميزة ليكون أصحابها جماعة منعزلة مؤلفة من أشراف الناس وأطهارهم؟ توسيع مفهوم المقاومة نحو اعتبار أن هناك مقاومات أخرى على أصعدة أخرى من المجتمع والسياسة، تنقذ المقاومة من جمودها ويعيد علاقتها السوية بجمهورها ويجعلها تتوسّع لتمتد الى أجزاء أخرى من المجتمع الذي ملّ احتكار فئة معينة للمقاومة بعد تضييق مفهومها، وتمنع حصرها بفئة من الناس دون غيرها. ليس ضرورياً أن يبقى خطاب المقاومة حصراً على مجموعة من القادة وأزلامهم من الاعلاميين لتبقى هذه المقاومة وسيلة قمع الآخرين. وسيلة لمحاسبتهم على ما يقولونه فكأنهم متهمون. وكأن أصحاب “المقاومة” جهاز مخابرات كما في دول الاستبداد، هذا مع العلم أن كل تجمّع سري، كل حزب سري، يتحوّل الى ماكينة فساد. المجتمع متنوّع والمقاومة واحدة من مقاومات، والآخرون من خارج “المقاومة” مقاومون. شرف المقاومة لم يعد محصوراً بأتباع هذه “المقاومة”. شرف المقاومة يتحقق بأن يتعمم هذا الشرف على كل المجتمع بأساليب إنتاج غير المحاربة بالسلاح. ذلك كي لا يبقى في المجتمع جماعة تعتبر نفسها “شعب الله المختار”؛ صهيونية من نوع آخر.

حصر “المقاومة” بجماعة سرية يقودها الى الفساد وينتج الخلل بداخلها. كل نفس أمارة بالسوء. ما لم ينفتح المجتمع وتلغى الجماعات السرية وينفتح المجتمع على السياسة. نقاش الأمور كلها في المجال العام. وجعْل المقاومة موضوع نقاش عام. يقودها الى التبني داخل المجتمع والى بناء مجتمع المقاومة لا حزب “المقاومة” حسب.

سرية المقاومة، كل تنظيم لأية مقاومة من أي نوع، هي مدعاة للفساد. تمنح أعضاءها وأتباعها قوة وسلطة للتعدي على المال العام، وعلى المجال العام دون نقاش وحوار، وتستدعي الأثرياء دون مبرر في سبيل قضية محصورة بأصحابها. قضية لم تعد قضية عامة. السرية تستدعي العتمة والتعتيم، وفي الليل ترتكب كل أعمال الفساد تقريباً. تتحوّل تنظيمات المقاومة الى عصابات منفصلة عن الشعب، وعن أصحاب القضية. تتزعزع أركانها. المقاومة الشاملة بالسلاح والاقتصاد والسياسة أركانها الشعب. وهذه أركان لا تتزعزع. وإذا تزعزعت أو انهزمت تعود لتنتصر. انتصار “المقاومة” هو على نفسها أولاً، ما يستدعي إعادة التفكير بمفهوم المقاومة ومناهجها وأساليب عملها، فلا يبقى سلاح “المقاومة” موضع شبهة أو استنكار.

لا شيء يمنع أن تكون قضية المقاومة قضية كل الناس، وقضية كل المجتمع، وقضية كل قطاع اقتصادي واجتماعي في المجتمع. إعادة التفكير تبدأ من هنا والحلول سهلة. يسهل عندها التعاطي مع الناس ولا تبقى المقاومة وحزبها طرفا من الأطراف الطائفية في بلد الطائفية والتذرر الاجتماعي.

تتعدى المسألة النقد الذاتي لتبيان أين أخطأ هذا الحزب أو ذاك. المسألة تشمل إعادة التفكير بالمفاهيم ومناهج التفكير والممارسة. ليست أخطاء المقاومة هي المسألة بل هو مفهوم المقاومة ذاته.

يعتبر أصحاب المقاومة أنهم ليسوا جزءاً من الدولة. بل هم في السلطة وهم أجزاء أساسية فيها. لكنهم لا يقرون بالدولة، ان لم نقل يعملون على تجاهل أو تخريب مفهوم الدولة. لا بل تريد أن يكون النظام مسخرا لها باسم شرف القضية. يقودنا هذا الى أمر آخر وهو ربط “المقاومة” بالمجتمع ووحدته وتماسكه لا بمحاربة العدو وحده. هو عدو، على المجتمع كله أن يقاوم. لكي يقاوم، يجب زج جميع قطاعات المجتمع في المقاومة العامة. هذا يتطلّب الكثير من السياسة، والحوار والنقاش، والقليل من التباهي الأخلاقي. يتطلّب الاندماج بالناس لا الانفصال عنهم في تنظيم سري. يتطلّب حمل قضايا الناس لا المناورة بها. يتطلّب الانزراع في الدولة. التشبّع بمفهوم الدولة، لا الاكتفاء بحصة في النظام، بما يشكّل خطراً على المقاومة ذاتها كتنظيم وكفكرة. كيف نصير مجتمع مقاومة؟ هذا هو السؤال.

جروح الحرب الأهلية (1975-1990) لم تلتئم بعد. لا لزوم لحرب أهلية جديدة دفاعاً عن المقاومة. نحتاج الى مجتمع مقاومة كي نستطيع دحر العدو. العدو يجب أن يدحر. طبيعته عدوانية. أساسه اغتصاب أرض ليست له. غايته تدمير الأمة. خطره كبير. مواجهته تتطلّب التوحد لا التمزّق.

مطلوب الانخراط في الدولة لا في النظام وحده. الانخراط في الدولة يتطلّب مفاهيم جديدة تعترف بالمجتمع وتعمل على وحدته. الثورة وحّدت المجتمع. الثورة المضادة تستخدم الطائفة لإعادة تمزيقه. نصنع أنفسنا وهويتنا بمفاهيم جديدة. تصنعنا الأحداث إذا احتفظنا بمفاهيم وأساليب مكررة. كي لا نكرر التجارب الماضية التي لا تقتصر إلا جزئياً علينا، يجب أن نجدد التفكير ونشحذ الوعي. الفرق عندها سيكون بين مقاومة شبه معزولة ومقاومة في كل المجتمع.

Leave a Reply