28
Feb
2020
1

تحالف “المقاومة” والتيار العوني، فساد من البداية الى النهاية

يحكم لبنان منذ عقدين من الزمن، ومنذ اتفاق مار مخايل، أو قبل ذلك، فكرتان فسد أصحابهما أو هما فسدتا بمعنى أن فساد الفكرة عند كل منهما أدى الى فساد أصحابها. كانت نتائج التحالف على لبنان هي استفحال الفساد وتراكمه فوق الفساد الذي سبقه. يصعب التمييز بينهما ويصعب تمييزهما عما سبق.

فساد فكرة المقاومة

فسدت المقاومة نظريا قبل أن تفسد في الممارسة. يمكن القول أن الفساد النظري هو الذي أدى الى الفساد في الممارسة. تنبثق الممارسة من النظرية. مهمة النظرية التأسيس للعمل والممارسة، وليس فقط أن تأتي بعد الممارسة لتبرر أخطاءها. التنظير والتفلسف ليسا ترفاً فكريا لا ضرورة له إلا لإظهار تفوّق الفئات المثقفة. دونهما تبقى الممارسة عشوائية دون من يسدد خطاها.

يعرّف ميكيافيللي الفساد بأنه إعلاء شأن المصلحة الشخصية للفرد أو الحزب على المصلحة العامة. هذا حدث في لبنان، ويحدث دائماً، وسوف يحدث في المستقبل. أساس الفساد عندنا بنيوي وليس مسألة فردية أو أخلاقية. لدينا قوانين حول القضاء في لبنان. لم نرها تطبق إلا نادرا، وذلك لأسباب تتعلّق بالصراع السياسي-الطائفي.

المصلحة العامة هي الدولة والأعمال التي تمت إليها بصلة. ليست الدولة كائناً منفصلاً عن المجتمع. هي المجتمع في تجريده. لم نر الأحزاب تتنافس في لبنان إلا من أجل أن تنال كل طائفة مصلحتها الشخصية (الفردية والجماعية)، دون تحديد مفهوم المصلحة العامة، وهو ما لا يأخذه أهل السياسة بالاعتبار، لذلك يبقى المفهوم دون الأخذ به. يبقى مجهولاً مستبعدا لا يستخدم إلا للشعارات الفارغة أو لفرض ما يقتضيه الاستبداد. جرت محاولات الإصلاح عدة مرات في الثلاثين سنة الماضية، وانتهى الأمر الى طرد بعض الموظفين بناء على وشايات.

حماية المجتمع تكون بالعمل والإنتاج. أما المحاصصة الطائفية فهي ما يهدد وحدة المجتمع. يعرف الجميع أن مقتل الدولة والمجتمع هو الطائفية وانقسام المغانم. ولم يفعل الذين وقعوا اتفاق مار مخايل سوى هذه الممارسة من أجل النجاح في الانتخابات النيابية والسيطرة على السلطة. أفلحوا في ذلك ولم تزد النتائج عن التقاسم وتدهور أوضاع البلد الاقتصادية والسياسية.

اجتمعوا وفي الأساس وكان الاجتماع من أجل فكرة المقاومة. ولم يدركوا أنها أصبحت فاسدة. تجاهلوا في ذلك أن هزيمة اسرائيل لا تتأتى إلا عن طريق الدولة لا عن طريق حرب دفاعية. حرب حزيران 2006 ستكون هي الأخيرة. خط 1701 وُضِعَ للحد من الاشتباكات. منذ 2006 لم يحدث خرق لخط 1701. وكأن الاتفاق وتطبيقه الدائم دون خروقات يشي بأن فكرة المقاومة لم يعد لها لزوم، وأنها تستخدم في الداخل لأسباب غير مفهومة. ولا تُستخدم لمقارعة العدو. الممانعة وهي من ملاحق المقاومة لم تعد تعني شيئاً في المناكفات على البرامج التلفزيونية. التقارب الطائفي لم يحدث بعد اتفاق مار مخايل بل بعد 17 تشرين الأول 2019 ضد هذا التحالف وفساده. لم يُذكر في مظاهرات الثورة سلاح حزب الله، لكن حزب الله وأحزاب الثورة الأخرى اعتدت على الثوار الذين كانوا ينادون من أجل عيش كريم، بأعمال بلطجية من الخندق الغميق. وأهملت في الوقت ذاته مطالب الثوار من قبل طرفي مار مخايل وبقية أحزاب السلطة إهمالا كاملاً. فكأن حركات الاحتجاج الثورية كانت تستثير الأحزاب المتكدرة حول المقاومة. صارت المقاومة بكل بساطة ضد مطالب الشعب في الحرية وكرامة العيش. صارت المقاومة ضد الناس لا ضد اسرائيل.

فريق أحزاب السلطة، وهو فريق المقاومة، ارتدّ على الناس ومطالبهم. نسي اسرائيل وأصبحت مهمته المشاركة في الثورة المضادة كما في مختلف أنحاء المنطقة العربية. كانت “المقاومة” أصلاً ضد اسرائيل لا ضد المجتمع في لبنان وغيره. وهذا ما لم تفعله بل توجهت ضد شعوب المنطقة. وفي الاستراتيجية، المقاومة شأن دفاعي ضد الغزو. لا نرى غزواً منذ 2006. تحرير فلسطين أصبح في خبر كان. التحرير لا يكون إلا بالهجوم وعن طريق الدول. أهمل حزب الله الدول العربية، بل وقف ضد بنائها. وفي كل قطر عربي أنشأ جهازاً موازيا للدولة أقوى منها. حتى أن الدولة، سواء كانت لبنانية أو سورية أو عراقية أو يمنية، لم يعد لها وجود. الأجهزة الموازية أو ما يسمى أذرع ايران في المنطقة صارت تهديداً ضد المنطقة وضد سوية الدول ووجودها.

الفكرة الأساسية هنا هي أن المقاومة دفاعية الطابع بينما التحرير ذو طابع هجومي. استراتيجية المقاومة دفاعية وستبقى كذلك. لذلك لم يعد لها ضرورة.

المقاومة لا تشمل السلاح بل العمل الدؤوب القائم على بناء تماسك المجتمع والعمل والإنتاج. إنتاج مجتمع متماسك في أي قطر عربي كاف وحده لدحر إسرائيل. لكن فريق المقاومة عمل عكس ذلك. عمل على إفقاد كل مجتمع عربي إمكانية قيام دولة ذات جيوش قادرة على التحرير. الجيوش تحرر وليس تنظيمات موازية تشبه الميليشيات. لكن هذه المقاومة اختارت الهجوم في أقطار عربية، غالباً لحماية الاستبداد، وتبنت الدفاع ضد اسرائيل في وقت واحد، دفاع لم يعد ممكناً بعد 1701. لم تكن إسرائيل منزعجة من تدمير عدة بلدان عربية بدولها في وقت بقيت حدودها هادئة.

كأن في الأمر مصادرة لقضية فلسطين. إخراجها من محيطها العربي جعلها قضية إسلامية تتداخل فيها تركيا وإيران بينما إسرائيل مرتاحة لوجودها.

فسدت قضية المقاومة على يد أحمد الشقيري. ثم انهزمت على يد جبهة التحرير الإسلامية. تتبنى إيران وتركيا، بعد مصادرة القضية، ميليشيات فلسطينية هنا وهناك على الأرض المحتلة. حزب الله ذاته تحوّل الى ” ذراع”، بالأحرى “تنظيم مواز”، وبالأحرى أيضا ميليشيا في قطر عربي أو آخر لدعم الاستبداد وإلغاء مقومات المقاومة ضد إسرائيل.

فساد فكرة المقاومة أنتجه حزب الله. هو فساد الفكرة في تناقضاتها. وهي فساد مشاركة حزب الله في النظام اللبناني. ممارساته المشاركة في المحاصصات الطائفية. يشارك في النظام بشروط النظام.  لم يضف الى الأمر شيئاً مما كان يدعيه من النزاهة عن السلطة بدعوى المقاومة. بالأحرى، باسم الوفاء للمقاومة يمارس كل ما تتطلبه المشاركة في النظام اللبناني من فساد. الحدود مشرعة لتمرير ما يحتاجه حزب الله وما يمت إليه من المهربين. المطار والمرافئ مفتوحة للتهريب الذي يقوم به من يدعي الالتزام بحزب الله. تنظيم يدعي الجهل بأمور الدولة كأنه غريب عنها. وهو منغمس فيها منذ عقدين من الزمن. عقدان كافيان للنهوض بأي بلد متخلّف ونقله الى التقدم والإنتاج. إذا كانت مساهمة في تعزيز الدولة، فهم لم بفعلوا شيئاً لتعزيز الدولة بل جعلوها أشلاء. يجافي الحقيقة الإدعاء بأنهم لا يعرفون الدولة. هم شاركوا فيها كأتباع لدولة إيران، وهي دولة بكل معنى الكلمة. ألم يتعلموا من الإيرانيين؟ أم أن ما يطبقونه على إيران لا يطبقونه على بلاد العرب؟

عندما يكون هناك احتلال تكون هناك مقاومة. المقاومة عمل تلقائي لدى فئات المجتمع. منذ بدأ حزب الله المقاومة أيام الاحتلال، وكان على حق في ذلك، أزال بطرق عنفية جميع الفصائل الأخرى المقاومة للاحتلال. ولم يكن على حق في ذلك. المقاومة عمل جماعي يشارك فيه جميع أطراف المجتمع. هؤلاء مُنِعوا من ذلك. فهل هي مقاومة أو مصادرة للمقاومة؟ بعد حرب 2006 تحالف حزب الله مع كثيرين من فئات المجتمع الأخرى لكنه احتفظ بشرف المقاومة لنفسه. يهدف ذللك للوصول الى استعلاء أخلاقي على كل الآخرين.

الاستعلاء الأخلاقي

أخطر ما في الأمر، قمة الفساد، هو التحالف مع أعداء “المقاومة” ومع فريق آخر لم يمانع يوماً من الدخول في معركة مع فريق المقاومة والتحالف مع العدو الاسرائيلي والنظام السوري. ليست المشكلة في التحالفات بل في نوع التحالفات التي تمثل الحد الأعلى من الانتهازية أولاً، والفساد ثانياً. إذا كان الفساد كما عرّفه ماكيافيلي هو تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة  عند أي حزب من الأحزاب، فإن حزب المقاومة قد تحالف مع أعداء المقاومة في سبيل إلغاء السياسة. شكلت تحالفات حزب الله سداً منيعاً في وجه الدولة. وكل دولة تقوم على السياسة. إدعى لنفسه جهلاً (غير مبرر وغير مفهوم) بأمور الدولة. وإدعى لنفسه أيضاً استعلاء أخلاقياً غير مبرر وغير مفهوم أيضاً. هو أكثر الأحزاب إنغلاقاً وتقديماً لمصلحته على المصلحة العامة. حليفه الآخر اتخذ موقفاً أخلاقياً ووضع نفسه فوق الآخرين. ايديولوجيا الحزب وحلفاؤه تقود الى الفاشية: اعتبار “نحن” على حق مطلق و”هم” على خطأ مطلق.  تسوء الأحوال عندما يصبح في نظر كل منهما الآخر شراً مطلقاً. هنا تُلغى السياسة، إذ تصير التسويات في أي من الأوضاع المحلية مستحيلة، ويستحيل الإنجاز لأن الإنجاز لا يكون إلا بتفاهمات (تسويات) تنبع من وضع المصلحة الوطنية فوق كل مصالح خاصة، سواء كانت فردية أو حزبية.

يصير التزوير، تزوير التاريخ، أمراً يومياً. “نحن” أوادم”. زعماؤنا مقدسون. هم فوق النقد والتجريح. هم فوق السياسة. لكنهم يقررون مصير البلد. العدو الذي يصوّب إليه هو الأعوام الثلاثين الأخيرة. كأنه لم تكن هناك حرب أهلية ونتائجها. ولم يكن هناك أمراء حرب صاروا في السلطة. وكأن حزب المقاومة لم يكن في ذروة السلطة خلال نصف الثلاثين سنة. في النصف الثاني من الثلاثين سنة كانت الأقل إنتاجاً في وزاراتهم (المهمة) وكانت وزاراتهم الأكثر فساداً. جميع أحزاب السلطة الآن، وقد تفردوا بالسلطة، لا ينجزون، ولم ينجزوا. وهم دائما يلقون اللوم على الآخر، الصديق والعدو. جعلوه عدواً لكنه كان مثلاً أعلى لهم في سلبياته. التمسّك به دليل على ذلك. ولا يستطيعون العيش في بلد يخلو من رائحة العدو-الشيطان، القابل للتحالف معهم.  شيطنوا أباه عندما كان حياً ويريدون بإلحاح تشغيل ابنه عندهم رغم شيطنته. هو التحالف مع الشيطان في خط الاستعلاء الأخلاقي. ما حدث في “التسوية” التي أدت لانتخاب الرئيس كان تقاسم مغانم بين من قرصنوا البلد. تسوية لم تنتج شيئاً سوى القرصنة. فتح الحدود، شرشحة الدولة، سيادة التهريب. المسألة ليست في منافذ التهريب عبر الحدود بل في زوال الحدود وتكريسها للتهريب بجميع أنواعه. مُنعت الدولة من السيطرة على الحدود فمُنِعت من السيطرة داخل الحدود. شاركوا مهربو المواد الممنوعة أو الشرعية في الحدود كما شاركوا أرباب المال المشبوه في الانتخابات بدعم من الحلفاء. ما حدث عبر الحدود حدث في الداخل. إلغاء الدولة كان إلغاءً للسياسة. الفساد نقيض السياسة. لم يبق إلا الفساد. الوفاء “للمقاومة” تحوّل الى وفاء لشخص كي يتولى الرئاسة، ثم تحوّل الى التحالف مع الفساد والى إلغاء الدولة والسياسة، وصولاً الى ما يشبه محاكم التفتيش. صار سهلاً اتهام من يعادي محور المقاومة أو يُخطئ في تأييدها بالتهم الأخلاقية أو التعامل مع العدو الإسرائيلي. صار واجباً اتهام الغير. صار الغير عدواً. صار هو العدو الأصلي. رفض التطبيع مع العدو الأصلي انتقل الى رفض التطبيع مع العدو الذي يفترض العيش معه في بلد واحد. إمكانية العيش سوية لم تعد ممكنة. العيش سوية لم يعد الهدف، بل هو وسيلة لأهداف أخرى. الدولة لا تكون موجودة إلا عندما يقرر جميع أطراف المجتمع إمكانية التسوية فيما بينهم والعيش سوية. صار العيش سوية ليس ضرورة لقيام الدولة وجعلها أبدية، بل احتمال مرحلي يزول بزوال أسبابه وزوال المرحلة التي قادت إليه. ما يستحق الأبدية هو في مكان آخر خارج الحدود مكانياً وخارج الحدود أخلاقياً وروحياً ومعنوياً. صار اللاجئون والنازحون غير اللبنانيين داخل الحدود، لأن اللبنانيين صاروا خارج الحدود، وخارج السياسة. مشكلة لبنان ليست في من يأتي إليه، بل فيمن يطرد منه بداعي الهجرة. يُطرد الشباب ويُسمى ذلك هجرة. نرفض اللاجئين ونقاتل دفاعاً عن من هجرهم من أرضهم.

كانت ثورة 17 تشرين الأول 2019 بمثابة نداء للسلطة أنه يمكن العيش سوية، وأنه ضروري العيش سوية من أجل بقاء لبنان، وأن الدولة هي الوعاء الوحيد للمجتمع، وأن الازدواجية في السلطة هي الخطر الأكبر على لبنان؛ هذا الى جانب المطالب المعيشية. كان رد أحزاب السلطة ومنها محور المقاومة أن العيش سوية يعني المجتمع أو الشعب، وأن مقولة “المقاومة” أعلى من المجتمع. لا يستحق المجتمع أكثر مما أعطي له. وما أعطي له كان وما يزال كثير من الكلام وتبني المطالب وقمع باسم المقدسات. الأهم أن مقدسات الأرض حلت مكان مقدسات السماء. ليس ما في السماء هو المقدس، بل من يمثله على الأرض. صاحب الزمان المحلي وصاحب الأخلاق على قمة السلطة. الآخرون بما فيهم معظم المجتمع مجردون من الأخلاق ولا يستحقون القداسة. هناك من احتكر القداسة باسم الاستعلاء الأخلاقي. وهذا يعبر عنه القول:  نوايانا طيبة، لدينا الكثير من الخطط، لكن الآخر (الشيطان) لم يدعنا نعمل وننجز. فريق جشع شبق الى السلطة منعه الآخرون من تحقيق نواياه إن لم يخضعوا له. الغضب على الفريق الآخر ليس بسبب ما يتمتّع به من التفاهة والسفاهة وغير ذلك من صفات النيوليبرالية الغبية. الغضب سببه عدم خضوع هذا الفريق الآخر. صار العيش سوية مرهوناً بخضوع الآخر المشيطن. فكأن المقدس العلوي لا يستطيع العيش دون الشيطان. المشكلة مع الشيطان قديمة قدم الزمان. لا تعرف هل هو موجود أم لا. لكن الكائن العلوي يجب أن يكون موجوداً. في المنطق الأرسطي الموروث، وجود الله مؤكد. في منطق أحزاب السلطة وجود الشيطان هو الأهم. ليس المهم التفاهم مع الله  والخضوع له والتسليم له، بل الأهم هو إخضاع الشيطان بإزالة الفساد. حرب أبدية مع الشيطان. نسيان تام لله أو إغفال له. لا يهمهم الإنجاز وتحقيق مصالح العباد بل محاربة الشيطان وإلغاؤه. فكأنه غير ضروري لوجود الكائن المتسامي. محاربة الفساد بنظرهم هي البند الوحيد على جدول الأعمال الذي لا بدّ منه لمصالح الناس. مرة أخرى لا ضرورة للمجتمع دون خضوعه التام، بالأحرى إخضاعه الذي لا تشوبه شائبة.

المقدس ألغى السياسة عند هذا الفريق أو ذاك. فلان أو فلان من رموز السلطة وأقطابها “خط أحمر”. لا تستطيع توجيه الانتقاد ضد من يقودك في السياسة. أين السياسة وقد تم إلغاؤها. أليس هذا هو الفساد الأكبر.

خاتمة

أدت فكرة المقاومة الى استعلاء أخلاقي عند أصحابها. أدى الاستعلاء الأخلاقي بإدعاء الاستقامة الى احتقار الآخر، والغير، والشريك في الوطن، والمتهم بأنه يرفض أن يكون كما “نحن”. هذه النحن هي دائما على حق. الآخر ليس الفريق الآخر في السلطة أو خارجها، بل هو المجتمع الذي يراد له أن يرسم نفسه على منوال النخبة المقدسة أو التي تقدس نفسها. انتفاخ الذات أمر مشترك بين أطراف تدعي الاستقامة  وتستعلي على المجتمع. كأن المجتمع لم يوجد إلا كي يكون تابعاً مستسلما مصدقاً خانعاً خاضعاً.

فوجئوا، كما فوجئ الجميع، بثورة 17 تشرين الأول عام 2019. ذكرهم المجتمع بوجوده وبالمطالب، وهي مطالب محقة. ما يبعث على القرف والغضب هو أن أصحاب الحلف المذكور تبنوا مطالب الناس ولم يفعلوا شيئاً لتحقيقها. أمعنوا في المحاصصة الطائفية. جاؤوا بوزارة الأتباع. يخيفهم من يعتد بنفسه ويعرف أمور الدنيا والدولة وضروراتهما. الأهم من ذلك هو الفجوة الكبيرة بين ما يقولون وبين ما يسعون لتحقيقه. لو كانوا فعلاً يؤيدون مطالب الناس لما أغلقوا المناطق ومنعوا البوسطة ورفعوا شعار الطائفة في وجه ثوار مناطقهم، ولما عادوا بالهتاف الطائفي بأبشع صوره. ما فعلوه من تحريض طائفي بندى له الجبين. مارسوا القمع على الثوار مكان قوى الأمن. فكأنهم يهيؤن الوضع لممارسة الدولة الأمنية المشكّل عصبها منهم.

استماتوا للدفاع عن نظام هم يدعون أنه يزكم الأنوف من شدة فساده، أو أنهم اعتبروا روائحه مسكاً وعنبراً. كان محزناً أن يرسلوا جحافل من العامة المتشبعين بالطائفية لقمع تظاهرات الناس في بيروت والجنوب والشمال والجبل، فكأنهم يريدون القول أن المستقبل للرعاع. نجحوا في جعل الضحايا يستميتون في خدمة جلاديهم. كان الأفضل هو الامتناع عن الكلام لكنهم أصروا على الكلام مرة بعد أخرى. فضحهم كلامهم. هي نيوليبرالية بتعابير دينية.

Leave a Reply