16
Oct
2020
0

كيف صودر زمننا وكيف شلت إرادتنا

ثلاث مصادرات كبرى ساهمت في تشكيل الوعي العربي الراهن. تتعلّق المصادرات الكبرى بالزمن والوقت، وهي:

مصادرة زمن الفتوحات والسلف الصالح. صادرنا هذا الزمن ولم نتجاوزه، ونقلناه الى الحاضر. في وطننا أيضا يمكن أن نعيش حسب الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، في عصر لم يعد يفيد فيه علمهم. هو تراث، إذا صحت تسميته، ولا يصلح إلا للنسيان أو الرقود على رفوف المكتبات وتركه للباحثين علهم يستخرجون منه شيئاً.

علم يتعلق بالحيض، والطهارة، وسؤر حيوانات وحشرات، وما هي الماء الطاهرة التي يمكن الوضوء بها. ثم أداب الصلاة، وهل إذا تأخر المصلي يجوز، وفي أية حالة يجوز، أن ينضم للمصلين خلف الإمام. ثم اللحم الذي يحق أن يؤكل حلالاً سواء الحيوانات التي لها دم أو ذات الظلف، الخ… أسئلة طرحت في ذلك الزمن لم تعد تطرح اليوم.

هي نخب من مثقفين ومشايخ، معظمهم مشايخ. حتى المثقفين المدنيين لا يستطيعون االإقرار بأن الآيات المتشابهات والمحكمات مختلفة. في المتشابهات هناك مجال كبير للاجتهاد وإعمال الرأي. هو إقرار بانك لا تستطيع ممارسة الدين دون طهارة، وهذه بالوضوء والتيمم والمسح على الخفين. يمكنك أن تستكمل الوضوء بالوحل. لكن إذا مستك إمرأة تفقد طهارتك. طقوس كثيرة اختلف فيها الفقهاء وحاروا.

أخطر ما في كل ذلك وغيره أنه مصادرة للزمان. مصادرة للتاريخ منذ المرحلة الأولى حتى اليوم. لا يستقيم دينك إلا إذا قلدت الأوائل. وهم كانوا يملكون من الوسائل أقل بكثير مما تملك. كل المسائل التي طرحها الأوائل لا تفيدنا في حياتنا اليومية لكنها تدخل في تقرير الوعي السائد، وتجعل تلك النصوص أساسا لطقوس ميكانيكية تعوّض عن الإيمان. ايمانك يتعلق بصلتك مع الله، لا بكم سنتم من جبهتك مسحت.

أخذ أهل الحديث، زادوا فيها تعقيدا. لا يفهمها إلا أهل العلم من ذي العمائم. يضطر المؤمن لأن يرجع إليهم ليكتشف الصحيح من غير الصحيح، دون إدراك منه أن كل ذلك لا يلزم، وأن الإيمان لا يدنسه لمس إمرأة. الإيمان حالة روحية لا يمسها شيء في الدنيا. اخترع “العلماء” من ذوي العمائم علم الطهارة كي يعتبروا ومعهم مجتمعهم أنهم هم وكلاء الله على الأرض. ألم يقولوا أنهم ورثة الأنبياء؟ تركوا الإيمان والعقيدة، وركزوا على أمور دنيوية ليست من اختصاصهم. ربما لا يفهمون الإيمان، بل أن عقلهم المحدود يستوعب آليات الطهارة، فجعلوها سلاحهم لمصادرة الدين والحكم فيه، وكأنهم هم مراجع الفكر والعلم. لم يعد الإيمان مهما. حلت الطقوس مكان الإيمان. الطقوس مظاهر. والمظاهر فيها اضمار ما ليس ظاهرا والعكس؛ في ذلك مجال للاحتيال.

الأهم هو أنهم صادروا الزمان. ألغوا التاريخ. تحكموا بالوقت. العيش حسب السلف الصالح. طوباوية الماضي الذي لا يتحرك. صار الوقت لا قيمة له إلا لتحديد مواعيد الصلاة. حتى هلال الأعياد، “صوموا لرؤيته”، بقي رهنا بالعين المجردة دون مساعدة الآلة التي تساعد العين كما يساعد الهاتف المحمول الأذن. آلات تحديد أمكنة النجوم والأقمار الحديثة لا قيمة لها. ما عاد مهما طهارة الروح. هذه مصدر الإيمان. صار الإيمان يخضع للطقوس. طقوس الطهارة وعدمها.

المصادرة الثانية جاءت عن طريق النفط الذي يستخرج من باطن الأرض، سائلاً أو غازاً. يقاس النفط بالبرميل إذا كان سائلاً، أو بالحجم حسب ضغط معيّن إذا كان غازاً. كل ذلك يستخرج من باطن الأرض. لا أهمية لما يجري على الأرض. الزمن ملك من يستخرج النفط من شركات وحكومات ورأسماليين. عامة السكان لا علاقة لهم بالزمن. معيشتهم تعتمد على مردود النفط. فتات موائد الحكام والشركات. للعامة الدين، النفط للحكام والشركات الأجنبية أو الوطنية.  وقت باطن الأرض هو المهم. وقت سطح الأرض ليس مهماً. حياة من يعيش على الأرض أمر ثانوي. الرجاء لدى أهل النفط أن يكون عدد سكان الأرض المنتجة قليلاً. النفط لا يلزمه بشر محليون.  هو أكثر أهمية للبلدان الغنية المستوردة. الوقت بالنسبة لمن يعيش على الأرض ليس ذي بال. مهما فعل هؤلاء ستأتيهم العملة النقدية أو سيعملون في وظائف محلية لا لزوم لها. مهمة السكان المحليين هي الاستهلاك مما يأتيهم من العوائد النفطية. أن يتمتعوا بها. أن يضيعوا معنى الزمان. الزمان اختصاص الشركات التي تستخرج النفط وتسوّقه في بلدان أخرى. هذه غالباً ما تكون البلدان الصناعية أو المتقدمة عموماً.

زمن أهل الأرض في بلدان النفط زمن راكد لا يتحرك. الاستهلاك حتى الثمالة أو دين الطهارة والنجاسة. صودر الزمن ومعه الحركة والعمل. المهم حركة باطن الأرض، وهذه لا علاقة لها بحركة، أو لا حركة، ما يجري فوق الأرض. على من هم على سطح الأرض أن يبقوا في زمن مصادر. وهذا الأفضل أن يتملكه الدين وأهل العمائم، الذين ينتشرون في مجتمع دون تاريخ، كي يمارسوا هم أنواع الحيل، وللتنصيب في دول كرتونية تستمر بحماية الدول الكبرى.

الزمن الثالث المصادر هو زمن الاستبداد. يعتبر حكام الاستبداد أن الزمن توقّف معهم. هم قادة أبديون، يموت التاريخ عندهم. يموت تاريخ الماضي. يفتّش السكان على الكتب القديمة أو ما يُسمى التراث، كي يبقى عقلهم مسمراً في الماضي وأمجاده، خاصة عند الفتوحات، وكي يبقى عقلهم بعيدا عن الحاضر. كل ما يمت الى الحاضر بصلة تمليه أجهزة المخابرات بأمر من الرئيس الطاغية. كل حركة للناس مراقبة. حياة الناس مرهونة بعدم الحركة. كل حركة مشبوهة خاصة إذا تعلقت بالراهن. يصادر الطاغية الزمن. هو في الحقيقة من يعلن نهاية التاريخ. التاريخ ينتهي به؛ الى الأبد. الحركة الوحيدة المعتبرة هي حركة النقل الى السجون. حيث ينتهي المسجونون الى لا حركة. سكون دائم. يرتاح منهم الطاغية. يسود مجتمع الاستبداد هدوء خانق تنعدم فيه الحركة إلا جعجعة أتباع النظام خاصة المثقفين منهم الذين لا تتحرّك أدمغتهم إلا لتكرار واجترار تعليمات الطاغية وأهل النظام.

الوقت مقياس الحركة. الحركة مقياس الإنتاج. عندما يصادرون الوقت، فهم يصادرون الإنتاج أو،عملياً، يلفونه أو يدفعونه الى الحد الأقصى. الحركة مقياس العمل اليدوي (والذهني الى حد كبير). هي مقياس رأس المال ودوراته المتواترة. هي مقياس الفصول وما يقرر عمل الفلاح في الفلاحة والبذار والحصاد أو القطاف. بالوقت تنتظم كل نشاطات الإنسان. من لا يعمل لا يهمه الوقت. ليس لديه شيء يقاس به الوقت.

صودر الوقت باسم السلفية أو الأصولية. لا يهمهم زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. هو زمن واقف في مكانه. أما زمن الفتوحات فهو خارج التاريخ؛ أمجاد للتباهي. بالأحرى للتعويض عن أزمتنا الراهنة. عند كل هؤلاء يمر الزمن متهادياً بين أيدينا. لدى كل منا آلة لقياس الزمن في رسغه أو ماكينته الرقمية. لكنه زمن لا يقيس شيئاً. لا نتحرك وإذا فعلنا كانت الحركة لا حركة. فعلنا مجرد تثاؤب ايذانا بالانتقال من ممارسة كسل الى ممارسة كسل آخر.

سُحب الزمن من وقتنا. أصل كل ذلك هذا النوع من التديّن. علينا العيش كما السلف الصالح. نقفز فوق الماضي لنتابع أقوالهم المقطوعة بالواقع الراهن، فيصير تكرارها نوعاً من الثرثرة غير المجدية. هم المثل الأعلى وعلينا أن نقلدهم. نحن على استعداد لترك ما يقرب من ألف عام، مما نسميه مرحلة الانحطاط، خاوية من الزمن. نعتبر أننا لم نفعل شيئاً. فلا شيء يستحق القياس. لا شيء يستحق التباهي. مرتزقة ومماليك يحكموننا، تتابع سلطنات على مدى ألف عام، يتبعها حكم استعمار ثم استبداد في زمن الاستقلال، ولا شيء يستحق التباهي. نطمس التاريخ. لا ننتمي إليه. لا ينتمي إلينا. نحن خارجه منذ أكثر من ألف عام، وكأننا لم نفعل شيئاً على الصعيد الفكري والاكتشافات العلمية والانجازات الحضارية خلال تلك الفترة. كأننا كنا خارج التاريخ. نحذف ألف عام من التاريخ من وعينا. نحذف التاريخ من وعينا. يُحذف وعينا من التاريخ. نعود الآن لندخل التاريخ ولا نعرف كيف. نصاب بالهزائم. نحسبها انتصارات. نتصرف على هذا الأساس. نضحك على أنفسنا، ويضحك العالم علينا. نحن موجودون فيزيائياً لكننا لسنا موجودين في عالم الفعل. لا نرى في حاضرنا ما يرفع الرأس. خيبات تتوالى.  ظننا أننا ننجز شيئاً بخطابات طنانة رنانة. ما زلنا نقرأ في كتاب أحمد الشقيري. المقاومات التي تلته تجتر خطاباته ولم تأت بجديد فكرياً أو مادياً على ساحات النضال. هُزمنا، ولم نقر بالهزيمة. نعيش في حالة إنكار. خرجنا الى الصلح مع أبي عمار الذي تبنى حل الدولتين، فكانت حصته أشبه ببلدية، لكنه احتفظ بمظاهر الدولة، وذلك أدى ربما لتسميمه أو الموت فقعاً. جاء غيره ليقول جوهر القضية العربية فلسطين. فليصادر القضية الفلسطينية وبذلك يهمّش العرب. ركضنا نحو الحماية الأجنبية. وضعنا نفسنا خارج التاريخ مجدداً. كأن هذا الذي صادر أحسن صنعا، مثل المماليك، وهو لم يحسن شيئاً. بقي كل شيء على حاله، فتسابقت أقطار عربية لنيل رضى إسرائيل. ذلك عن طريق الغرب، أميركا، وليس عن طريق النضال والقتال للتحرير. ليس لبناء الدولة القطرية التي وحدها تحرر. هي لم تتحرر من الاستبداد، فكيف تحرر فلسطين؟ لم تحرر الداخل فكيف تحرر الخارج؟

وضعنا أنفسنا خارج الزمن مرة أخرى. جاءت ثورة 2011، عربية كاملة من المحيط الى المحيط. حولتها الثورة المضادة الى حروب أهلية. بادرنا بالهجرة والنزوح. لم نصمد ضد أنظمة الاستبداد. أنظمة النفط تحمي نفسها بالغرب وباسرائيل. أنظمة الاستبداد تحمي نفسها بأنظمة النفط.

ننتقل من مجهول الى محهول. في كل مرحلة يخلو المجهول من الزمن. لا فعالية لقياسه. نستعين على المجهول بالتبصير وعلم النجوم، علّ ذلك يحمل إلينا معجزة. ما فعله النبي وأصحابه معجزة. علّ السماوات ونجومها يرسلون إلينا معجزة أخرى.

الخلو من الزمن انعكس في أدمغتنا. لا نفكر في حاضرنا ومستقبلنا. لا نصنعهما. صنع المستقبل يستدعي مصالحة مع الزمن ولا تكون تلك المصالحة إلا بالعمل والإنتاج. صارت المقاومات فعل عدم إنتاج. قتال أشبه بردات الفعل من أجل هزائم أخرى يتلوها وضع الملامة على الغير: غرب يتآمر علينا وإيران تصادر قضايانا.  تركيا تقلد ايران. التقليد جاء مهزلة. مسرحية مضحكة. يضحك مذبوحاً من الألم.

يبدأ الزمن من خروجنا من أنفسنا. خروجنا الى العالم. إنتاج العلم والتكنولوجيا بدل التعلم على استعمالها للاستهلاك. بدل ذلك أغلقنا على أنفسنا. نحور وندور ضمن الثقافة الموروثة. لا نجرؤ على تبني ثقافة العالم. وهي الثقافة العالمية. حتى تراثنا نسيء إليه. نريد الحفاظ على التراث ولو مشوهاً لنسكن فيه. هذا أساس الأصولية والانتحاريات الإسلامية. وصم العالم ثقافتنا (الموروثة، وهي الراهن في حضارتنا) بالإرهاب والتكفير.

حقيقة الأمر أننا لا نعرف ثقافتنا؛ نفترضها، نخترعها لأننا لا نجيد معرفة تاريخنا، لأننا قطعنا صلتنا مع الزمن. وهل بالإمكان إلا تقييم الثقافة نقدياً ومن خارجها؟ أن نقف خارج الثقافة كي نعرفها ونقيّمها. ثقافة قامت في الأصل على التقييم. لم يعد الأمر كذلك. نحن خالفنا مصدر التراث في أصوله. لم يعد لدينا تراث يُعتد به لأننا أهملنا التاريخ. أهملنا النقد. حتى أننا لا نستطيع أن نتحمل من يكون الى جانبنا من المستشرقين الذين يضطرون بحكم مهنتهم الى النقد. نريد مدحاً دائماً كما الشعراء القدماء في بلاطات الأمراء والخلفاء وكل ذي جاه.

نراقب الوقت لمعرفة مواقيت الصلاة (واتجاه القبلة). في كل فندق دليل. لكننا لا نعرف الزمن ولا نستطيع التعامل مع التاريخ. بالتالي لا نستطيع أن نميّز بين الهزيمة والنصر. على كل حال لا انتصارات إلا القليل في حاضرنا. نحتال على أنفسنا بأن نفترض بعض الهزائم انتصارات. لا نستطيع الإقرار بأن واقعنا هو هزيمة.

صعد الغرب لأنه ربط بين الزمن والعمل. الثورة الصناعية، على مآسيها، هي في جانب منها قياس العمل بالوقت. ثقافتنا أو حضارتنا انجزت الكثير على صعيد قياس الزمن أو الوقت لكننا انتهينا الى جعل ذلك مقتصرا على مواقيت الصلاة ومواعيد الأعياد وجباية الضرائب.

أحرزت الرأسمالية تقدماً كبيراً بربطها بين الزمن والعمل. الوقت يعني المال. لم نفعل ذلك لأنه ليس لدينا زمن محلي. تأخرنا على صعيد العمل والإنتاج، فصار الزمان غير ذي بال.

احترام الزمن لا يعني فقط استعادة التاريخ والفعل والإنتاج. هو أيضاً وقبل كل شيء، احترام الوقت المحدد، والأهم إنهاء العمل في الوقت المحدد والمخطط له مهما كلف الأمر. التخطيط للمستقبل لا يعني فقط إعلان نية العمل، بل تنفيذ ما خطط له في الزمن المحدد مسبقاً. احترام الذات يبدأ من احترام المواعيد والمواقيت بشتى أنواعها. لا ننسى أن التأخير، الذي يكون أحياناً مقصوداً، في إنهاء المشاريع المتعاقد عليها، يكون نوعاً من الاحتيال لقبض مطالبات إضافية. أن تسأل طرفاً آخر عن موعد إنتهاء عمل ما، ويعدك بتاريخ معيّن، وينهي كلامه بتعبير “انشالله” هو أسوأ ما في الأمر. كل شيء مرهون حدوثه بإرادة الله. لكن “لله رجالا إذا أرادوا أراد”، كما يقول الحديث الشريف. التسليم لله يعني الإيمان وحسب. كل ما عدا ذلك هو فعل الانسان، الذي يضبط الفعل بالوقت وبتعبئة الفعل كي يكون مقيداً بإرادته. ترك الأمور للصدف هو في جوهره اتكال على الغير وهو تخل عن الإرادة.
نحن مصابون بالاتكالية؛ الاتكال على الغير. متى نتكل على أنفسنا؟