29
Oct
2021
0

ماذا لو يقظ العرب؟

ماذا لو استفاق العرب ذات يوم ووجدوا بلادهم دون حروب أهلية، ودون حكام طغاة، ودون أصولية دينية، ودون تدخلات أجنبية؟

ينصرف العرب الى أعمالهم، للعمل بجد وكد وإصرار؛ يتواصلون بحيث يكون للسياسة مكان مركزي في فكرهم ووعيهم؛ يبحثون الأمور بعقلانية. توضع المصلحة الفردية في انسجام  مع المصلحة العامة؛ ويؤسسون الدولة على أساس المصلحة العامة؛ يتعاونون في تقديم المساعدة لبعضهم البعض؛ تزول البغضاء، أو تكاد تزول، لمن يخالف في الرأي أو الدين أو المذهب أو الإثنية.
أما فيما يخص العمل والإنتاج، فإن العمل يقود الى إنتاج أكبر إذ يجد الفرد نفسه يعمل لمصلحته ولمصلحة مجتمعه في آن واحد. ستكون الأجور أعلى، وستكون حوافز العمل أعلى. سيعتمد المجتمع على العمل والإنتاج، ليتخطى الاستهلاك. وسيكون الادخار طريقا لبناء المستقبل بالاتكال على النفس لا على المساعدات والتسوّل. سيتعاملون مع البيئة بما يتفق مع قواعد التنمية والاستدامة. ستكون مواردهم الطبيعية وكل المواد الخام المستخرجة من تحت الأرض ملك المجتمع لا كما الآن. هي ملك الدولة بالاسم، لكنها ملك الشركات عابرة القارات بالفعل. وستكون السيادة مكتملة بالفعل حيث يكون لكل بلد عربي حرية التصرف بموارده وماله وأرضه وعرضه ودولته.

وسيشهد الدين تحولا جذريا، ليصبح في سبيل الإنسان، لا الإنسان في سبيل الدين. ستتغيّر النظرة الى الله. سيكون إله العطف والرحمة ولن يجد ضرورة للثواب والعقاب. سينظر العربي الى الأديان على أنها حمالة أوجه مختلفة للإيمان بالله. سيقبل الغير. سيألف المختلف. سوف يؤكد على الاختلاف لا من باب التسامح بل من باب أن في الاختلاف ثروة ثقافية، وأن الثقافة التي تنغلق على نفسها تموت.

سيتعامل مع الإسرائيلي كيهودي لا كصهيوني. يبقى منهم من حافظ على يهوديته ونبذ صهيونيته. لن يجد الصهاينة لهم مكانا في هذا المجتمع. الصهيوني بطبيعته لا يطيق الاختلاف. يكره تنوّع المجتمع وتعدديته. سيرى نفسه معزولاً. سيعود الى حيث أتى هو أو أباؤه أو أجداده. لن يُكره أي منهم على الهجرة، لكن أي منهم لا يستطيع العيش في مجتمع عربي لم يعد مزبلة التاريخ. لا يستطيع الصهيوني العيش والاستمرار إلا في أرض محاطة بدول عربية استبدادية، أصولية، منهكة. تحوم حول الدين وتكرس مجتمعاتها لنهايات إنسانية وغير دينية. لا ألهة مزيفون. ينتهي دور هؤلاء عندما يستفيق العرب.

في السياسة، سيجد العربي نفسه في دولة، بحيث تكون الدولة أكثر من سلطة. لا تكون الدولة كذلك إلا عندما تتشكّل من مواطنين. المواطن بالتعريف هو الفرد الذي يشارك في الدولة ويرفض أن يكون من رعايا السلطان وأكباش الطوائف. سوف يمارس المواطن السياسة ليس في سبيل التنافس على السلطة (وله الحق في ذلك)، بل في سبيل التسويات، إذ تستدعي الاختلافات تسويات تتجاوز الخلافات. ستكون السياسة جزءاً من حياته اليومية. لن يمثله أو ينوب عنه أمام الله رجل الدين. ولن يمثله أو ينوب عنه أمام المجتمع رجل السلطة. هو مصدر كل سلطة والتمثيل الديمقراطي لن يكون فقط بيد من ينالون أصواتاً أكثر في صندوق الاقتراع. مهمة أهل السلطة إدارة المجتمع. مهمة النواب التعبير عن المجتمع وليس العمل والتفكير بالنيابة عنه. هكذا تحمى السياسة من أخطار الديمقراطية. هذه ليست حصيلة الأصوات في صندوق الاقتراع وحسب، بل هي حصيلة الحوار اليومي في المجتمع ومع المجتمع ومن أجل المجتمع. الإنسان هو الغاية والهدف، والإنسانية تنطبق على من هم شركاء في الدولة أو في دول أخرى.

لن يحتاج هذا المجتمع الى مستبد عادل. سيكون هو مجتمعا عادلاً. سوف ينبع العدل من طبيعته الإنسانية، بدل من مقولات تسقط عليه من السماء أو ممن ينوب عن السماء في كرسي الاستبداد أو في الجمود العقلي أو الديني.
سيكون هذا المواطن حرا بطبيعة الأمور لأنه هو من تتشكل منه الدولة. دولة المواطنين لا مكان فيها للاستبداد. المواطنون الأحرار يحترمون أنفسهم وسيرى كل من يحاول الاستبداد أنه ذليل فاقد الاحترام. المجد والعظمة في هذا المجتمع هما للفرد المواطن المشارك في الدولة. مشاركة الجميع لا تسمح للاستبداد بالوجود هذا من طبيعة الأمور. حرية المواطن تنبع من ضميره ولا تُملى عليه. سيجد المواطن، وقد أصبح مواطناً فعليا، أنه في تناغم مع إله اللطف. إله الثواب والعقاب لا يتناغم إلا مع أهل الاستبداد.

لا ينشد هذا المجتمع الإجماع لأنه مجتمع الاختلاف. مجتمع الذات الإنسانية التي تفكّر. استقلاليتها نابعة من نفسها. حريتها من ذاتها. ضميرها حريتها. الحرية لا ما يراه فيك الآخر بل ما ترى أنت في نفسك؛ منها تصدر أراؤك. على وعيها تستند سلوكياتك.

عروبية العربي يحددها هو. العربي من قال عن نفسه أنه عربي. النطق بالعربية أحد محددات هذه الهوية. ومن أراد غير هذه الهوية من سكان المنطقة لأسباب إثنية، أو طائفية، أو قومية، ألخ… له حق الانفصال، أو الفيدرالية، أو حتى الكونفيدرالية. سيكون نوعا من الاستبداد إذا فرض على غير من يفترضون أنفسهم عرباً البقاء فيها إذا أرادوا العكس. العروبة تتحقق بالاختلاف لا بالتشابه. حتى الهوية العربية المشتركة هي هوية مختلفين لا متشابهين. لسنا في متحف الشمع حتى نكون متشابهين، وكل منا نسخة عن الآخر. الاستبداد يريدنا كذلك. يبغي الاستبداد التشابه لأن الأمر واحد وعلى الجميع التقيّد بأمر صاحب السلطة ليكونوا متشابهين.
لا شأن للدولة بالقومية. إذا كان هناك قومية فهي ستكون قومية الدولة لا قومية الأمة. وإذا تحققت الأمة فهي ستكون أمة دولة لا دولة أمة. تخضع السلطة في الدولة المرتجاة للناس لا لقومية ميتافيزيقية هي نتاج مخيلة بعض المثقفين. الأمة تُصنع. تُصنع للمستقبل. وليست كيانا معطى يهبط علينا مما بعد الطبيعة أو فوقها. ليست الأمة كيانا ميتافيزيقياً متخيلاً. بل هي إرادة للمستقبل وكياناً يُصنع. مجتمع المواطنين يحتاج الى دولة قبل كل شيء. الدولة يصنعها المواطنون لا الرعايا الذين يتقيدون باحكام الغير وأوامر الغير وتفكير الغير. كل مواطن له الحق بالتفكير والسلوك انطلاقاً من ضميره لا من ضمير الغير.

وفيما يتعلق بالفلسفة، هي حق واجب. تبحث انطلاقا من السؤال والتساؤل في الكيف، والكم، والى متى، والى أين. ليس همها أصل الأشياء والكائنات بل مصير الأشياء والكائنات. هي علم المستقبل لا الماضي. المستقبل متعلق بالتاريخ وبالتطوّر والمصير، وليس بماض تجمّد وانقضى. المستقبل هو فعل مضارع لا فعلاً ماضياً. المضارع وجهه تقدم المستقبل. الفعل الماضي ردة على الحاضر والمستقبل؛ ردة على المضارع. والفلسفة تصير لا علم المقولات بل علم الحروف. علم المقولات يبحث في التركيبات الذهنية الجاهزة. علم الحروف (أين، ومتى، وحتى، الخ…) يبحث في اتجاهات المستقبل. علم الحروف ذو أولوية على علم المقولات.

مع تبسيط علم الفلسفة يحدث تبسيط علم اللغة. يحتاج علم المقولات المبسطة الى لغة مبسطة. تعقيد قواعد اللغة ونحوها يتجه الى مقولات معقدة يستحيل على العقل فهمها وإدراكها. تصير الفلسفة لا حكرا على النخبة. يحتاج المواطنون الى فلسفة عملية تساءل عما يعانونه وتجيب عما يعانونه. لا يحتاج المواطنون الى الميتافيزيقيا (ما بعد أو ما وراء الطبيعة) بل الى علم الطبيعة ذاتها. لا يوجد في الطبيعة إلا ما يمكن معرفته أو هو احتمال للمعرفة. إذا كان معظم ما في الطبيعة مجهولاً فإنه قابل للمعرفة. والمعرفة انتقال من المعلوم الى المجهول. والمجهول يًدرك بالعقل والتجربة. بالعقل المبني على التجربة. المقولات عائق في وجه المعرفة، إذ أنها تجمدها في أطر محدودة.

أما المصلحة، فهي ليست المصلحة المادية وحسب. لا تقاس بالمال، آفة هذا العصر. هي تقاس بين إرادة المواطن وعمل الدولة أو السلطة. المطابقة بين المواطن والدولة حاصلة بالتعريف. المشكلة هي المطابقة بين المواطن والسلطة. عندما تفترقان، تخرج السلطة من الدولة وتفرغها من مضمونها الأساسي. تتحوّل الدولة الى سلطة، والسلطة الى استبداد.
أمر الوحدة العربية لن يتخلى عنه العرب، لأن فيه مصلحة ومستقبل وتاريخ. العمل الوحدوي يكون باحترام الدول العربية والحفاظ عليها وجعل كل منها قومية يكون فيها الولاء للدولة كقومية. وهذا لا يتناقض مع العروبة بل يؤسس لعروبة جديدة يكون معيارها الوحيد الانتماء إليها. ومن الطبيعي أن تكون العربية لغة الانتماء للعروبة. في عالم البؤس الذي نعيشه لم يبق لنا إلا اللغة والشعر. الشعر الحقيقي يعبر عن أحزان شعوبنا ويحفزها نحو مستقبل أفضل.

في الديبلوماسية لا أعداء للأمة في الخارج، وفي الجوار خاصة. كما لا أعداء في الداخل. من في الخارج ويجمعنا بهم الإسلام، فليكن إسلامهم مختلفاً. الاختلاف في الشأن الخارجي صنو الاختلاف الداخلي. المجتمع الذي يتكل على نفسه ويعتمد على إنتاجه وموارده الداخلية وتماسكه الاجتماعي لا يخشى الامبريالية ومؤامراتها. هناك امبريالية ذات مخططات ومؤامرات علينا، نواجهها بالعمل والإنتاج والتماسك الاجتماعي. ما من قوة عظمى تغلب أمة صغيرة متماسكة إلا إذا كانت هذه تنخر فيها الخلافات الداخلية والطائفية والإثنية. أمة قائمة على الاختلاف وقبوله لا تخشى الخارج وذلك بسبب تماسكها.

في الثقافة، يزدهر المجتمع في الانفتاح على الثقافات الأخرى والأخذ بمقتضيات الثقافة العالمية. يكون ذلك بالانفتاح الداخلي والحوار الدائم والنقاش في المسائل، كبيرها وصغيرها. أخطر ما يعيب الثقافة هو الانغلاق على ذاتها؛ أفضل ما يصيبها ويساهم في  انتقالها من التأخر الى التقدم هو الانفتاح الداخلي والخارجي؛ كل منهما يكمّل الآخر. لا ينغلق مجتمع على نفسه إلا ويعزل نفسه عن العالم. في العزلة هزيمة مصدرها الدونية تجاه الثقافات الأخرى. أحرى بمجتمع انفتح على الخارج أن ينفتح داخليا. تتداخل المفاهيم وتتشابك؛ تنتج التساؤلات؛ يكثر الشك. يخرج اليقين من قلب الشك. ينحت المجتمع معرفته من ملاحظة الطبيعة والمجتمعات الأخرى. الدين اكتمل ولا نكسب شيئا من استمرار اعتباره مصدرا للمعرفة. هو مصدر للإيمان لا المعرفة. الإيمان لا يحتاج الى برهان. معرفة الطبيعة والمجتمعات الأخرى تحتاج الى براهين. ذلك ما يحفّز العقل. العزلة تدمر العقل وتخثّر ملكة التفكير. يحتاج مجتمعنا الى مرحلة تكون فيها أولوية للمعرفة على النضال. الممارسة الصحيحة تأتي من الفكر الصحيح. وهذا يأتي من التجربة والعقل. لا تحتاج المعرفة الى انضباط بل الى حرية تكون قاعدة الانضباط بدل الضغط الاجتماعي والسياسي الذي يؤدي الى استسلام للسلطة وخضوع لأهل العقد والربط؛ نحتاج الى مجتمع يعلن الثورة على ذاته كمنطلق للعمل والسعي والإنتاج. يكون ذلك بداية للنهوض والتعمير والانتصار في مواجهة الغير الذي يريد بنا شراً. بالحرية والمعرفة نحوّل أشياء الطبيعة الى ما يفيد العلاقات السياسية والديبلوماسية والى خير البشر.