8
May
2020
0

موت افتراضي

أنت حي. لا أنت ميت. لا تصدق. أنت في طريقك الى هناك. أنت حيث الموت يشبه الحياة. انتزعت روحك بقيت حياتك. بقيت الحياة دون روح. يسمونها النفس للدلالة على الحياة دون روح. كان ضرورياً، حتى في الأديان، زيادة النفس للحديث عن حياة لا يحتكرها رجال الدين. حين صار هناك علم الطبيعة منذ قرنين أو ثلاثة لم تعد الضرورة ملحة للازدواجية؛ ألغيت واحدة منهما حسب المنحى الايديولوجي لصاحب التحليل.

فقدتَ رحابة الحياة وحرية الحركة والحميمية مع الآخرين، حتى أقرب الناس إليك. التباعد الاجتماعي والحجز المنزلي تمارسهما بكل طيبة نفس كي تنجو من الوباء. أنت تمارس حياة جديدة. فقدت ما كان عندك من حقوق وواجبات، ولم تجد حقوق وواجبات جديدة. ربما لن تجد. ربما حانت الفرصة لجعلك انساناً ناقص الإنسانية باسم إعادة فتح الاقتصاد. طردت من عملك. ولم يبق لك مورد آخر للعيش. ناهيك بالعيش الكريم. لا ندري إذا انتهى وباء الكورونا إذا كنت سوف تعود الى عملك أم لا. على كل حال، لم يعد موقع العمل كما هو. المؤسسات والشركات الكبرى تسرّح العمال بعشرات الملايين. ألم يقولوا لك (أرباب العمل) أن الكورونا لا تميّز بين طبقة وطبقة، وبين عرق وعرق، وبين قومية وقومية. كل ذلك غير صحيح. التمييز طبقي. يستطيع أرباب العمل النأي بالنفس مع إجبار العمال على ممارسة عملهم والاختلاط حتى ولو أدى ذلك الى مخالفة قواعد الحجر والتباعد الاجتماعي. مثل جميع الحروب، يأخذ قرار الحرب من لا يحاربون في الخطوط الأمامية، وحتى الخلفية، ويدفعون بالعمال وبقية الفقراء الى الجبهة، للحرب والموت أو عدمه. سيان عند الطبقة العليا إذا مت أم لا. إذا لم تمت فذلك من حظك. وإذا مت فأنت شهيد. ربما قدموا لك وسام الشهادة وعلقوه على قبرك. أنت شهيد التضامن والتكافل الذين دعوا إليهما شرط أن يكون المساس بك دونهم. أنت بين الحياة والموت. بين حياة لا معنى لها وموت لا تعرف عنه شيء. لكن الذين لا يملكون شيئاً، وليس لديهم سوى قوة عملهم، هم لا عمل يرتزقون منه، فهم أشبه بالموتى. جردوا من مقومات العيش بعد أن جردوا من مقومات الحياة؛ الأحياء الذين لا روح ولا نفس لهم.

السؤال الكبير هو هل سيعود ملايين العاطلين عن العمل، الذين سرحوا حديثاً بسبب الوباء الى عملهم؟ هل تحتاج الشركات الكبرى إليهم أم سيحل مكانهم الروبوت؟ لا نتهم الطبقة العليا بالتواطؤ مع الوباء. هذا مستحيل. لكن الرأسمالية معتادة على الاستفادة من الفرص، حتى الفرص القاتلة للآخرين. بين “إعادة” فتح الاقتصاد وحياة الناس الذين سوف يتعرضون إذا اختلطوا، فإن خيار الرأسمالية  هو فتح الاقتصاد. وليذهب العاملون الى الحياة الأخرى في السماء.

يحذر خبراء الأوبئة والأطباء والممرضون من العودة السريعة الى فتح الاقتصاد والاختلاط، لكن أرباب العمل لا يهمهم ذلك. هم معرضون للإفلاس دون فتح الاقتصاد. مساعدة أرباب الاقتصاد واجب على الدولة. الدولة مصدر أموالها من الناس؛ ضرائب وغيرها. فعندما يتعرض أرباب الاقتصاد للخسارة، يصلحون أحوالهم مداورة بأموال الناس عن طريق الدولة. رغم الديمقراطية،  الدولة ما زالت ملك الطبقة العليا.  لا يستحق الفقراء سوى بعض أعمال البر والإحسان. وهناك مؤسسات مختصة بذلك. يُرمى بالفتات الى الفقراء، ويحتفظ أرباب الثروات بما لديهم.

يحاول أرباب النظام العالمي إدانة كل منهم للآخرين، بخصوص فيروس الكورونا. هل هو مولد في مختبر أو هو نتيجة ممارسات اجتماعية خاطئة (استهلاك الحيوانات البرية)؟ التهم المتبادلة لا تغير في الأمر شيئاً. حتى ولو انتهى اعتداء الكورونا فيروس على الناس، سيكون العالم غير ما كان عليه. النظام الجديد يدفع ثمنه الفقراء والطبقات الدنيا عموماً.

الكورونا اختصر الحياة البشرية. الناس عموما في الحجر الكامل أو الجزئي، يشاهدون الشاشات وهذه لا تتحدث إلا عن الكورونا. الحل عند أرباب العمل هو فتح الاقتصاد. الحل عند الأكثرية من الفقراء هي النجاة. إذا نجا الإنسان من الوباء فإنه لن ينجو من الاقتصاد. أمران أحلاهما مر. الخيارات ضيقة أمام أكثرية البشرية. الحياة دون تعدد الخيارات أشبه بالموت. فلنسميه موتا افتراضياً.
لم يعد الموت انقطاعا بين سلسلتين من الأحداث. لم يعد حدثاً وحسب. صار الموت عملية تطوّر نحو الأمام والخلف. لم يعد الموت هو ما يتمناه المرء لإنهاء حياته. صار جزءاً من الحياة التي تعذِّب المرء. صار جزءاً من الحياة في حين صارت الحياة افتراضية. لا ندري هل نعيش؟ كيف نعيش؟ نحن الذين لم نولد إلا في رحم الأزمة، أزمة الحرب الأهلية والدمار والخراب، عندما ولد أولادنا خلسة، وعندما كانت حياتنا خلسة، وعندما ظهرنا للوجود وكأننا منقذين للعالم، انتقلنا من الخلسة الى الوجود. نقلنا حب الوجود، حب الحياة، علم الحياة، علم الطبيعة الذي يعلو على كل ما تعنيه الأديان بالروح أو النفس أو غيرها من النفايات.

اتخذ الموت معنى جديداً لم يكن أمراً مألوفاً عند أبائنا وأجدادنا. كانوا يعيشون مع الطبيعة. هم الطبيعة، والطبيعة جزء منهم. كانوا يتحسبون لتقلبات الطبيعة. وكانوا يعرفون أن الطبيعة لها تقلبات لا يمكن التنبؤ بها. لكنها لم تكن عدوا! كانت حليفهم ضد الأوبئة. لم يعد الأمر كذلك. كثر عدد البشر. لكن هل كثر بحيث أن الكرة الأرضية لم تعد بمواردها تحتمل هذه الكثرة البشرية؟ الرأسمالية لا تحتمل هذا العدد الكبير من البطالة، أما الأرض فهي تستطيع تحمل بمواردها الطبيعية ومساحاتها أضعاف أضعاف الأعداد البشرية الحالية. المسألة ليست في كثرة البشرية. السبب ليس البشر. هم خلاصها. كثرة البشرية تتيح للإنسان تجربة عظيمة في التكافل والتضامن، أما الرأسمالية فهي تعتبر المسنين مشكلة كبرى. يعتبرون المسنين عالة على البشرية، ولا يعتبرون المسنين جيلاً أو أجيالاً قبلنا، اختزنت من التجربة البشرية والحميمية البشرية، والحنان البشري، ما يمكن الاستفادة منه. اعتبرت الرأسمالية أن الإنسان، إن كبر أو صغر، لا فائدة منه إذا لم يكن في صلب عملية الإنتاج. لم يعد الإنتاج هو ما يمكن أن يفعله الإنسان، بل هو ما يمكن أن “يخترعه، أو “يبدعه” عدد قليل من البشرية البارعين الخبراء الأذكياء، الذين تمتد معرفتهم بين ما يمكن صنعه وما لا يمكن صنعه. بين ما ينتج الربح وما يؤدي الى الخسارة. الرأسماليات الكبرى تنهار: بيونغ، ايرباص، شركات الطيران، جنرال موتورز، جنرال اليكتريك، الخ… لا تستطيع الصمود. عمالها إذا اشتغلوا معرضون للكورونا، أسيادها لا يهمهم إلا أن يعمل هؤلاء البائسون لإنتاج فائض القيمة. تعرف الرأسمالية أن خياراتها الأساسية تعني الاستمرار في الإنتاج والموت أو الحفاظ على البشرية في الحجر وتحاشي الموت. لا يريدون تحاشي الموت. يريدون الموت ماشياً ما بين صفوف جمع القطع. يريدون الموت ينفّذ أوامر غرف الهندسة التي تمرر الخرائط والتصميمات. على العاملين أن ينفذوا. وعلى التنفيذ أن يواجه إمكانية الموت. الموت في مواجهة أرباب الصناعة والمال يصبح موتاً افتراضياً، موتاً يصيب أي بشري كان، مهما كان، ومهما كانت طبقته.

إذا كانت الأرقام حول الوباء صحيحة (ويبدو أن المخفي أعظم)، فيجب على البشرية أن تتعرّض للموت في سبيل المحافظة على الاقتصاد. فتح الاقتصاد صار مطلباً عاماً. الموت صار نتيجة جانبية، بل صار مصيراً عاماً. البشرية بقيادة الرأسمالية لا تأبه للموت ليس بسبب شجاعة أصحابها بل بسبب أنها عزلت نفسها عن الوباء. الفقراء وحدهم في مواجهة الموت.

بغض النظر عن انتشار الكورونا فيروس، البشرية مهددة الآن بالاختيار بين الحياة والموت، بين فتح الاقتصاد مع الموت المؤجل والموت السريع. على الأقل هذا ما يشعر به معظم البشرية. الطبقة العليا وحدها، وهي أقل من واحد بالمئة من البشرية لا تهتم لهذا الأمر. لا تنجو ثروة هؤلاء إلا بأن يعمل العمال وبقية الفقراء. لا توسع لهؤلاء، لا مجال لتراكم الثروة، دون عمل أولئك. ربما كان الجدير بهم أن لا يعملون.

ليست المشكلة فيمن يقبلون العمل بل فيمن يرفضون العمل. ليست المشكلة فيمن يرفضون البطالة بل فيمن يقبلون البطالة. تعلموا خلال الأجيال في أن يسمحوا للطبقات العليا باستباحة حيواتهم. تقتضي التضحية والمساواة وضع أبناء الطبقة العليا في خطوط المواجهة الأمامية. الرأسمالية العليا ترفض. مسألة طبقية من الطراز الأول. تحتاج الطبقة البروليتاريا الى النضال لوضع أبناء الطبقة العليا في خط المواجهة لا في خط المحسنين. وهذا ممكن شرط أن يجري التطويع القسري لأبناء جميع الطبقات بدون استثناء للذهاب الى مواجهات الخطوط الأولى في الحرب على الكورونا. أبناء السادة في أميركا وأوروبا وأيران والبلدان العربية والصين والهند يهابون الخوض في المواجهة. اللقاح وغيره هو شغل الخبراء، وشركات الأدوية تتنافس على ذلك، أما مواجهة مآسي الكورونا فهي مقتصرة على الفقراء، المحكوم عليهم بالشهادة ان بقوا على قيد الحياة.

هو موت افتراضي لأكثرية البشرية. أبناء الطبقات العليا لا يعانون هذه المشكلة. العزلة عن الناس تحميهم. أن يكونوا جزءاً من الناس أمر ممنوع عليهم. الناس وحدهم هم الذين يواجهون الوباء. هم يعرفون ذلك. حيال الموت تنفضح كل ادعاءات الرأسمالية.

الموت الافتراضي هو موت محتم لبؤساء الطبقات الدنيا. الشفاء منه، وهو متاح للطبقات العليا، يصير وسيلة للتباهي وإظهار الشجاعة في المواجهة. هم يعرفون تماماً الأخطار، ويعرفون كيفية تلافيها. الفقراء أيضاً يعرفون تماماً الأخطار، وهم يواجهونها. التضامن الاجتماعي هو من شأن الطبقات الدنيا وحسب. الاقتصاد شأن الطبقات العليا. همهم فتح الاقتصاد للحفاظ على ثرواتهم وتراكمها. عدد الضحايا في هذه العملية التي تتطلّب اختلاطا يرفضه العلماء لا يهم أرباب العمل. فقدوا سبل الرحمة: اصرارهم على فتح الاقتصاد والاختلاط، ولا هم لديهم إذا كانت هناك موجة وباء ثانية نتيجة ذلك.

لا تفكر الرأسمالية أبداً بانهيار الحضارة البشرية. هم أساساً لا يفكرون في الموجة التالية من الحضارة. لا يهم الأمر. يعتقدون، وقياسهم الذاتي هو الثروة، أنهم سيحافظون على ما هم عليه في الموجة الثانية. يقيسون على الأوبئة التي حصلت عبر التاريخ. معظمهم لا يعرف شيئاً عن تطوراتها. لكنهم على أتم الاستعداد للتباهي بأن الأوبئة السابقة لم تؤدِ الى انهيار حضارات. هم أساساً لا عرفون شيئاً عن انهيار الحضارات. يؤمنون بالتقدم، وبأن كل ما يحدث، مهما كانت المآسي، سوف يؤدي الى التقدم. التكنولوجيا والتقدم التكنولوجي حل لكل شيء.

آمنت الرأسمالية العالمية بأن التاريخ يسير حسب خط مستقيم. مع مزيد من التكنولوجيا والإبداع التقني تتحسن أحوال البشرية. التحسّن يقاس بالثروات التي تتكدّس، وهي عادة تتكدّس في حسابات قلة من جهابذة الرأسمالية باسم التقدم. لا يصغي أحد، منهم على الأقل، للقول أن التاريخ لا يسير بخط مستقيم، وأن التقدم يمكن أن يقود الى كوارث يمكن أن تقضي على الحضارة الإنسانية، وعلى الجنس البشري. كم من حضارة ازدهرت، بلغت الحد الأقصى، وهي الآن مدفونة تحت التراب أو في مجاهل الغابات.

مسألة الكورونا ليست مسألة وباء وحسب. هي مسألة التقدم التكنولوجي؛ تقدم تكنولوجي لم يصغ الى العلم. مختبرات محشوة بعلماء التكنولوجيا، لكنها تكنولوجيا فقدت الصلة بالعلم. العلم يدور حول ما نعرف، ولا يدور حول ما نصنع وما يمكن أن يشكّل خطرا على البشرية. مرة أخرى نقول أن المعرفة الهدف منها السيطرة على الطبيعة (وعلى الإنسان) بل المعرفة في سبيل المعرفة. لكن التكنولوجيا تهدف الى تملك وسائل السيطرة على الإنسان والطبيعة. ما لم تصغ التكنولوجيا للعلم سيكون الأمر وبالا على الإنسان. طريق التقدم هو المعرفة، طريق الانهيار والخراب هو التكنولوجيا والاختراعات التي يزعم أصحابها أنهم يسيطرون على الطبيعة.

لن تتواضع التكنولوجيا إلا بان تنحني أمام العلم، وبأن يستعيد العلم والأكاديميا موقعهما في المجتمعات البشرية، فتعود للمعرفة البشرية عظمتها. أن نعرف الطبيعة شيء وأن تستعلي التكنولوجيا على الطبيعة شيء آخر.

تتواضع التكنولوجيا بتواضع النفس البشرية وبتواضع الرأسمالية، وبخضوع التكنولوجيا لحدود العلم والمعرفة وانقطاع المغامرة بالمصير البشري في سبيل بعض المغامرين والمقامرين. التكنولوجيا عرضة للشراء والبيع. هي سلعة رأسمالية. المعرفة لا تعرض نفسها للسوق الرأسمالية؛ هي الضمانة ضد المغامرة.

ليس حرية أن يكون الخيار بين موت عن طريق فتح الاقتصاد أو موت في السجن التطوعي. انتظار الموت في سجن تطوعي هو موت بطيء، موت افتراضي.

Leave a Reply