14
Aug
2020
0

كارثة تدمير الدولة والمجتمع

كتب علينا أن نعيش حياة دائمة من عدم الاستقرار. انتقلنا الآن الى عصر الكوارث. ليس الأمر زلزالاً يحدث بتحرك طبقات الأرض؛ هو كارثة تحدث باهتزاز طبقات المجتمع. لم تدرك الطبقة السياسية القابعة على قشرة الأرض (سطح المجتمع) أن ما حدث في 17 تشرين الأول عام 2019 تحرّك تكتوني في طبقات المجتمع. استمرت السلطة وكأن الأمر لم يحدث. جاءت بأسفل واحط ما في المجتمع فأعلت شأنهم، وجعلتهم في اعلى مراتب السلطة. صار القفا يحكم الرأس. وصار الرأس محكوماً بنفايات المجتمع وافرازاته.

كل أطراف السلطة السياسية والبيروقراطية كانت تعلم بالخطر المميت في مرفأ بيروت. السجلات والدعاوى لرفع المسؤولية كانت تتطاير بين أروقة السلطة السياسية والقضائية والأمنية. لم يحرك أحد ساكناً. كلُّ يرمي المسؤولية على غيره. الإهمال وانعدام المسؤولية وتلاشي الجدية والعبث بالدولة والمواطنين. كل ذلك كان سيد الموقف؛ بل كان هو سياسة السلطة. ليس في السلطة بريء؛ كلهم يعرفون. كلهم غضوا النظر. كلهم كانوا يعرفون. وكلهم كانوا يتجاهلون. لا استثناء لأحد.

كما قال مظفر النواب : “أولاد الـقحبة لست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكم. إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم…” لا أستثني أحداً.

لا أعرف إذا كان اللبنانيون يستثنون أحداً من الطبقة السياسية، سواء كان من المدنيين أو من أصحاب العمائم.

ما حدث يبعث على الخوف والهلع. حذر ناصيف حتي في استقالته من دولة فاشلة. فهل نحن نسير نحو مجتمع فاشل؟ في العقود الأخيرة استهان اللبنانيون، بالأحرى الطبقة السياسية، بأمر دولتهم. لم يكن هناك احترام للمواقيت في انتخاب رئيس الجمهورية أو في تركيب الوزارة. وحتى في التعيينات الإدارية. لم نأبه لما يُسمى نصاب الدولة. فراغ بعد فراغ في أعلى السلطة السياسية (رئاسة الجمهورية، رئاسة الوزراء، مجلس النواب، حيث تأجيل الانتخابات سنوات عديدة). كيف يستقيم أمر المجتمع عندما تفرغ الدولة من قيادتها وكادراتها؟ شعار “شعب وجيش ومقاومة” كان كارثة في الوعي، وكان كارثة عملية. استبعاد الدولة كلياً.

خلى البلد من السياسة. سياسات كيدية يمارسها راسبوتين من هنا وراسبوتين من هناك. أموال الناس محجوز عليها في المصارف بما ينافي القانون والدستور. أبشع أنواع التعدي على الملكية الخاصة. مصادرات كما في القرون الوسطى أو في أيام الممالك والسلطنات القديمة. نصاب الدولة مفقود. نصاب الإدارة مفقود. رعاع الناس يتحكمون بالسلطة. قبل إقرار سلسلة الرتب والرواتب جرى تعيين الألاف من صغار العاملين الذين لا لزوم لهم في أوقات الانتخابات النيابية.

كل ذلك يهون أمام تهرّب جميع المسؤولين من المسؤولية، بحجة مراسلات قضائية تروح وتجيء بين دوائر قضائية هي على الأرجح غير معنية. سلطة سياسية وإدارية ترمي بأوساخها وقذاراتها على القضاء. كأن البلد، أو أي بلد في العالم، يحكم بالقضاء. في مسرح السلطة العبثي يرفضون هيئة تحقيق دولية بعد أن جاؤوا بشركات دولية للتحقيق الفورنسيك بشأن المصرف المركزي. سياسات كيدية. صراعات سخيفة على السلطة. عقول سخيفة تتحكم بمفاصل الدولة داخلها وخارجها. اعتقد فريق السلطة الحالي أنهم يبررون سخافاتهم بإلقاء اللوم على من يعارضونهم؛ ليقولوا الغير يعارضوننا فلا نستيطع فعل شيء.هو البلد الوحيد في العالم دون كهرباء، بل كهرباء مستعارة مستأجرة، لأسباب تعود الى منطق “إما أنا ورأيي، أو لا أحد”. والثلم الأعوج من الثور الكبير مع ادعاء أن رئاسة السلطة ليست مسؤولة رسمياً عن شيء. رؤوساء السلطة متعودون يتلهون بمناكفاتهم ومؤامراتهم ضد بعضهم البعض، والكارثة قابعة في مرفأ بيروت؛ والكل في السلطة يعرفون عنها. التعمية التي تحدثنا عنها سابقاً هي في قمة الهرم السياسي نزولاً.

وضع الرجل (أو المرأة) المناسب في المكان غير المناسب. هو الأمر الذي كان في المرفأ. وكان ما يشبهه في مؤسسات الدولة الأخرى وخاصة الجامعة اللبنانية. تدمير مبرمج للدولة اللبنانية. لا تعنيهم الدولة؛ كل ما يعنيهم هو حصة كل فريق في الدولة. دمروا الدولة ودمروا التعليم. يريدون وعياً من نوع آخر غير الذي بني عليه لبنان. وعي ديني. تجاهلوا أن الدين لا ينشئ وعياً حديثا بل وعياً جاهلاً.

كارثة 4 أب تغيّر وجه لبنان وجوهره. يستطيع المرء المضي في تعداد أوجه تدمير الدولة وما حصل. والذي حصل لم يكن نتيجة إهمال وانعدام المسؤولية وحسب، بل كان تدميراً منهجياً. لن يكون لبنان كما كان، أو كما كان يريد شعبه أن يكون. الأساس في ذلك، في هذا التطوّر الذي يشير إليه الحدث، هو أن الكارثة لم تحدث شرخاً بين اللبنانيين وحسب، بل هي بكل بساطة تدمير للدولة، يؤدي الى تدمير المجتمع أو على الأقل تفكيكه.