10
May
2024
0

“الطغاة الصغار”.. و”العقل المستريح”

يجب أن لا يغيب عن بالنا، أن قسماً كبيراً من المثقفين هم ضحايا السلطة. فهذه تُنزل بهم أشد أنواع التعذيب والسَجِنْ لمجرد رأي أبدوه، ولمجرد رأي لا يعاقب عليه أحد في بلدان العالم الأخرى.

إن أنظمة الاستبداد وأجهزتها الأمنية ليسوا هم وحدهم من يقمع. بل هم يمارسونه عن طريق جحافل مثقفين، يُجنَدون ليُردّدوا أقوال حكام الاستبداد كالببغاوات، وأيضاً لنشر الأفكار السخيفة والمضحكة المؤيدة للاستبداد. وهذا يعود الى ما أصاب الثقافة من تخثّر وجمود، بل وتأخر في أيام الاستبداد، ومرحلة التحرر الوطني.

تشن أجهزة الاستبداد حملات على الثقافة والمثقفين. إذ لديها عدد كبير من مثقفيها، مثقفي السلطة. هؤلاء لا يتورعون في الدفاع عن السلطة بتبريرات، أهمها أن المعارضين والثوار ليس لديهم برنامج عمل، أو أنهم لم يقولوا كل شيء عن الرأسمالية، أو انهم لم يشتموا كفاية أميركا وإسرائيل. والبعض منهم ينحط الى كتابة التقارير. وهناك عدد كبير من المتعلمين والمثقفين الذين ينزعون عن أنفسهم صفة المعرفة كي يتفرغوا للعداء للمثقفين. لقد صارت كلمة “المثقفين” تهمة.

يعود ذلك الى احتقار المعرفة لدى أهل العقل التقني. وذلك يشبه احتقار العقل الفلسفي أو التنظيري لدى العامة ورجال الدين، ومن يتأثر بهم. لنقل أنهم جميعاً أهل العقل التقني الذي يكره المثقفين والمتفلسفين والمنظرين عامة. ربما كان لديهم قصور معرفي بالقياس إلى المثقفين. أو حتى غيرة من بعضهم فيلجأون للوشاية كما في كل البلاطات. لكن الأمر أدهى. وأنا أقصد هنا اقتناع جحافل المثقفين بجدوى الاستبداد، وصحة دعاوى الاستقلال، والتصرّف بمقتضى إرادة الناس. يصير هؤلاء بمثابة “الطغاة الصغار” الذين يدافعون عن آرائهم وآراء أهل النظام بحدة، وبكثير من الروح الخطابية، المؤسسة على أفكار أساسية خاطئة.

على كل حال، لدى هؤلاء القليل من الأفكار، لا ينتجها إلا القليل من الثقافة. يضيقون أفقهم قصداً. ويُقلّلون من شأن ثقافتهم لخدمة أرباب النظام.

المشكلة مع هؤلاء، جحافل المثقفين وأنصاف المثقفين، أن قسماً كبيراً منهم رفيعو التعليم ومن حملة شهادة الدكتوراه على ضحالة معرفية، أكثر منها أخلاقية. يتميزون بالوعي التقني وغلبة الموقف على التحليل، وانغلاق العقل، وعدم تقبل الآراء المناقضة إلا بالتهم. يجيبون على الحجج بالتهم. هم بسبب ذلك فاقدو التهذيب. وطريقة نقاشهم تشير إلى عدم التسامح ورفض التعددية. انضباطهم وراء الاستبداد يشير إلى خطأ الموقف. يتهكمون على الثورة، وكأن الثورة يُفترض أن يكون لها برنامج. ولا يطلبون برنامجاً من النظام وهو الأجدر بذلك، والأقدر بما لديه من وسائل لفعل ذلك. كما يتعبّد رجال الدين في بيوت الله، يتعبّد هؤلاء في هياكل السلطة. نظرية “المستبد العادل” تجعل الطاغية يبدو وكأنه على رأس فرقة دينية، رهبانها من مثقفي السلطة وأنصاف مثقفيها.

مشكلة هؤلاء جميعاً هي أنهم أصحاب “عقل مستريح”، لديه الجواب على كل شيء، بأجوبة بسيطة يأخذونها مما تدربوا عليه. ويقارعون بها أصحاب العقول الممتلئة بالمعرفة، وما تسببه هذه من أسئلة وشكوك ومراجعات. هذا “العقل المستريح” وهو السائد لدى نخبنا، ومعظمها من “وعاظ السلاطين”، يتكلمون في المجالس وكأنهم يتلون خطبة الجمعة، وعلى الآخرين أن يسمعوا. على الآخرين أن يتلقوا معرفتهم ممن يتلوها عليهم، فكأنه الشيخ الخطيب. مشايخ “العقل المستريح” هم خطباء دين الاستبداد وأذرعته.

يقودنا ذلك الى تحديد مشكلة هؤلاء للقول إنها معرفية قبل كل شيء. إن أنظمة الاستبداد تزدهر على تخثّر الوعي وقلة المعرفة. لذلك تقل مراكز الأبحاث عندهم. وتزدهر معاهد التكنولوجيا. وتُكمّم أفواه معاهد العلوم الإنسانية والفيزيائية. يريدون تقنيناً لا عطاءً. وإذا اضطروا فلا مانع من العلوم الفيزيائية. أما العلوم الإنسانية فهي شبه محرمة. لذلك نرى العلماء (العلم الحديث) العرب يضطرون إلى الهجرة. وهم يزدهرون في الغرب الرأسمالي لا في بلادهم. المهندسون والأطباء والمحامون يضطرون للهجرة أيضاً. وكذلك جميع أو معظم المثقفين الحقيقيين، من أهل “العقل غير المستريح”. يضطرون للهجرة واللجوء السياسي. إن تفريغ منطقتنا من العقول يحدث لا بسبب جذب الغرب لهم بقدر ما هو بسبب دفع سلطات بلادهم لهم ليخرجوا. يرتاح النظام للخلاص منهم.

وفي تحوّل الدولة الى نظام للسلطة، أو منع تطوّر النظام الى دولة، تستخدم السلطة جميع أنواع الأجهزة الأمنية والعسكرية والبيروقراطية، وكذلك جهاز المثقفين من ذوي “العقل المستريح”، الذين رضوا أن يبيعوا ما لديهم من ثقافة أو معرفة، وهو على كل حال قليل، للسلطة أو للشيطان، والأمر سيّان. سلطة الاستبداد تحضّر دائماً لحرب أهلية. هي مشروع حرب أهلية متقطعة. وهي تحتاج إلى مثقفي “العقل المستريح” لتبرير جرائمها وحرب الإبادة التي تشنها على شعبها، وخاصة على الوعي عند شعبها. تحتاج إلى من يرى الهزيمة ويقول هذا نصر، وإلى من يرى الخراب ويقول إن سببه الغير، وإلى من يرى قتلاً ويقول إن سببه الإرهاب..

الثقافة السائدة هي ثقافة الأنظمة لا ثقافة الدولة؛ هي التي تكوّنت في المدارس والجامعات الصاخبة التي يشرف عليها النظام. وهي حتى المكبوتة في البيوت. يرتكب جرماً من تُسوّل له نفسه التفكير بغير ما يريده النظام، وبغير ما يمليه بواسطة رقباء ومحاكم تفتيش لديهم الكثير من الجهل والقليل من المعرفة. بل إن المعرفة لديهم لا تفيد إلا في تأبيد الجهل من أجل تأبيد النظام. هي ثقافة معادية للحرية لأنها لا تأبه للضمير. ثقافة معادية للسياسة لأنها عبادة في هيكل الطغيان. وهي لا تأبه للدولة لأنها معادية للفرد وللسياسة؛ عقلها يدور حول السلطة ومنافعها. والمنفعة على حساب المعرفة. ربما انتشر التعليم وانخفضت أمية القراءة والكتابة، لكن أمية المعرفة والبحث والشك والسؤال تزايدت وازداد خطرها علينا.

لم تفشل الثورة بقدر ما نجحت الثورة المضادة. حياة الشعوب لن تذهب هباء. ستحصل ثورات حين لا نتوقع؛ وعلينا الإستعداد كأن الثورة التالية سوف تقع غداً. لن يكون الأمر إلا عن طريق نخب تلج طريق المعرفة الممنوع، وطريق النضال المفجوع، وطريق الصوت المرفوع؛ وكل ذلك لا بدّ له من المعرفة شرط أن يكون عمودها الفقري غير المألوف. وولوج المجهول والمغامرة فيما لا نعلم. لقد صنع الاستعمار الإمبريالي من التأخر تخلفاً، أنظمة التحرر الوطني أبّدته. طريقنا صعب. بالمعرفة والتحليل الدقيق نستطيع ولوج هذه الطريق. أمم أخرى فعلت ذلك. نستطيع التعلّم. في تاريخنا قفزات كبرى إلى الأمام وإلى الحرية والمجتمع المفتوح. نستطيع أن نتعلّم منه.

علينا التحلي بالشجاعة لولوج المجهول وتجاوز المألوف. وعلينا التحلي بالنزاهة الفكرية كي لا نكون متعصبين لتراثنا المجيد، والنزاهة السياسية كي لا تصيبنا الدونية تجاه الاستبداد وثقافة الغرب؛ شرط ذلك الموضوعية، بل القساوة في نقد أنفسنا، والندية مع الغرب.

يحرص النظام على خطابه، كحرصه على أن تكون له أجهزة قمع، وجيش وبيروقراطية، وعلم، وعملة وطنية. ليس صدفة أن الدول القديمة والدول الحديثة قد قتلت خلال مراحل التاريخ عدداً كبيراً من المفكرين والفلاسفة. هؤلاء مثقفون لم يتفق فحوى خطابهم مع خطاب السلطة. إذا كان القمع المسلّح أداة فعّالة بيد النظام، فإن الخطاب هو الأفعل على مدى أوسع. الدين نفسه خطاب. يعتقد أصحاب الدين أن الله خاطبهم بكلام. وكانت الفتنة الكبرى أيام المأمون حول كلام الله من أهم المنعطفات الثقافية في تاريخنا. الخطاب قضية سياسية، وهي تتعلّق بالسلطة. وهذه بدورها ترى أن في الأمر تقويضاً لها إن لم يحسن الرعايا الخطاب. فهذا من أهم دعائم الهيكل.

أهم ما في الثورة أن ليس لها خطاب. هي غضب يريد إسقاط النظام وحسب.