8
Apr
2022
0

الإرادة فعل ومعرفة

الإرادة هي رغبة تصدر من الضمير ويُعبّر عنها باللسان. يُراد لك أن لا تكون لك إرادة كي ينقمع ضميرك. مع انقماع الضمير تتلاشى الأخلاق. يذوب شخص الإنسان. الطاغية يريدك أن يكون سلوكك وتفكيرك صادرين عن إرادته. رجل العمامة يريدك أن يكون سلوكك وتفكيرك ابتلاء ينزل بك، فلا ضمير لك إلا بالطاعة والاستسلام لغيرك؛ ما يوهم أنه الله وهو في الحقيقة وكلاؤه على الأرض. أن تريد الشيء هو أن ترغبه؛ الرغبة تأتي من نقص أو بهدف الاستزادة في الشيء الذي تملكه وتريد المزيد منه. لا يكون الضمير ولا تكون الأخلاق عندما يكون ما يصدر عنك من أفعال وتفكير صادرين عن الغير بل من أحشائك، استجابة لنفسك وإرضاءً لذاتك. عصور من الاستبداد وأتباع الدين جعلتنا نتخلى عن ذلك. صاحب الضمير المعتد بنفسه استثناء وليس العادة.

إرادة القوة، وهذا تعبير استعمله نيتشه،  هي الفعل في سبيل النبالة.  لا يكون المرء أو المجتمع نبيلاً إلا عندما يتمتّع بأسباب تجعله يتفوّق على الغير.  لا يحصل التفوّق إلا بالعمل وتراكم الثروة نتيجة تراكم العمل وتراكم الإنتاج. يكون ذلك استجابة لتحديات الطبيعة وتحديات الآخرين. ليس التحدي بمعنى المنافرة والمشاكسة بل بمعنى تحمل أعباء التعاون مع الغير لتحمّل أعباء العيش، وتحمّل اعباء الطبيعة وتطورها، واكتساب المعرفة لتكون العلاقة معهما مبينة على العقل لا مجرد العاطفة والاستحسان. المعرفة العقلانية تبدأ بالشك بما هو معتاد. تقويض ما اعتيد على اعتباره بداهة. البديهي الوحيد هو الله. متى أحيل الى العقل انتفى وزال. الدين في ما تعدى الإيمان استسلام وشريعة تقود الى عقيدة، وهذه ممارسات الغرض منها البرهان على الإيمان. الإيمان لا يحتاج الى برهان. هو علاقة بين الفرد والله. يسمو على كل اعتبار عقدي. استوفت نفسها العقيدة الدينية وغير الدينية (الماركسية مثلاً أو الليبرالية)، ولم تعد تلزم إلا للدراسات التاريخية الأنتروبولجية. التحدي أمامنا هو البحث فيما يتعدى العقيدة. الخروج منها هو تجاوز ما نحن فيه. الخروج من الضعف الى القوة فعل إرادة تمنح الإنسان والمجتمع بما فيها الأفراد قدرة على التواصل والتعاون وفعل الجميل وارتكاب الحسن في القول والعمل.

تتشكل الإرادة من الفعل والمعرفة. الفعل للإنتاج والعمل لتلبية الحاجات وللتبادل من أجل ما لا ننتجه. الاقتصاد إنتاج وتجارة. تتبعهما الخدمات لمن فعل وأنتج. القيمة الحقيقية هي في العمل والإنتاج. المال لا قيمة له إذا لم يكن مصدره العمل، ولم يكن تعبيرا عنه. هو أرقام وأوهام حول الأرقام. الاستثمار هو إعادة المال من أجل الإنتاج. المال الذي ينتج المال هو ما يدور في البورصة خاصة الرهانات حول المستقبل، وحول المنتجات التي ستكون متاحة في المستقبل. يحصل تبادل المال في الرهانات دون العمل للإنتاج من أجل أن يحوز بعضهم مزيدا من المال ومراكمة الثروات واحتكار القيمة في المجتمع. هو عملياً سلخ القيمة عمن ينتج وإبقاءه مشلول الإرادة عندما لا يبقى له من عمله سوى ما يكاد يكفيه للعيش عيشاً يخلو من الكرامة والنبالة؛ وهذا لا يكون إلا بالقدرة على العطاء والإحسان الصادرين عن نفس لا ترى في المراكمة هدفاً. كبار الرأسماليين لا يعطون لأن إرادتهم في الأكثر تطغى على نفوسهم؛ ويكون العطاء الصادر عنهم إما لإخفاء صورة البشاعة في نفوسهم أو استغلال الرأي العام وتمويه حقيقتهم في طلب الأكثر. العطاء الكريم هو الذي يصدر عن الضمير، في سبيل العطاء، لا طلبا للعز بل تلبية لحاجة في نفس الذي يعطي؛ ذلك الشعور بالغبطة لتلبية حاجات من يُعطى إليه دون أن يعرف هذا مصدر العطاء. العطاء إرادة تصدر عن الضمير في سبيل العطاء. لا شيئاً آخر. وما يقال عن العطاء في سبيل الله هو في حقيقته عطاء في سبيل نفس العاطي في علاقته مع الله. علاقة الإيمان المجرّد من أي عقيدة.

الإرادة ليست في الموقف. كل كائن حي يفعل موقفاً. لا يفعل سوى الإنسان، من بين الكائنات الحية، عن سابق معرفة، أو ما يسمى عن سابق تصوّر وتصميم. خذ مثلاً المواقف من أطراف حرب أوكرانيا. معظمها صادر عن نفس مطمئنة أو عقل مستريح؛ دون البحث في أسباب الحرب ومؤدياتها.  تعرف من سماعك إعلان الموقف وتعليلاته انتماء صاحبه وطائفته أو التنظيم السياسي أو الديني الذي يكبله. تعرف مباشرة من الموقف أن صاحبه سنياً أو شيعيا أو أرثوذكسياً أو مارونيا او غير ذلك. ذاكرة الحرب الأهلية في سوريا تملي الموقف على صاحبه بغض النظر عن تحليله للأسباب ونتائج الحرب. قلّ في الموقف أن يؤخذ بالاعتبار أكاذيب الامبراطورية الأميركية وحنثها بالوعود المعطاة، وحلف الطلسي ووعوده بعدم التوسّع شرقاً، واحتقار أوروبا الغربية للشعب الروسي، وفاشية بوتين وعصبيته الدينية والقومية، وحكمة الذي لا يوصف إلا بالديكتاتورية، وتهريج زيلينسكي رئيس أوكرانيا الصهيوني، وأثر الحرب في أوكرانيا على تهجير مئات الألوف من اليهود، إن لم يكن الملايين، الى فلسطين المحتلة، وتهجير ما تبقى من شعب فلسطين الى خارج أرضهم، وشبق الفاشية الأميركية للهيمنة على العالم، ورغائب الرأسمالية في إنقاص عدد سكان الكرة الأرضية، واستكمال ما بدأه وباء الكورونا في إفناء جزء من الجنس البشري، وصولا الى حرب عالمية موضعية ربما تتوسّع الى عدد من المواضع، واستخدام السلاح النووي، وتحويل معامل الكهرباء النووية المشادة لأغراض سلمية الى مواقع للتفجير النووي، الخ… باختصار، كل ذلك يؤدي الى خروج الأمر عن إرادة البشر. الإرادة البشرية الأساسية والتكوينية هي البقاء والاستمرار. تعريض المصير البشري للفناء لا يشكك بأسطورة الخلق وحسب، بل يخرج عيش الإنسان من إرادته. كما خُلِقَ من لا شيء يعود الى لا شيء. في الخلق لا إرادة وفي تغييب الوجود لا إرادة. مع تنامي الثورة البشرية على الفعل وردات الفعل، بواسطة العلم والأسطورة، تتنامى القدرة على البقاء. هذه القدرة هي وحدها الإرادة.

إرادة البشر أن ينهوا أنفسهم بانفسهم ليست إرادة. الخلق من عدم ليست إرادة. العودة الى العدم ليست إرادة. البقاء واستمرار العيش هما وحدهما الإرادة. الإرادة والمعرفة وجهان لعملة واحدة. يتناقضان عندما يصير العلم (الحديث) وسيلة الفناء. العلم الديني، أساساً، ليس وسيلة للبقاء أو الفناء. هو وسيلة لتكرار ما حدث. عودة على بدء. سلفية غير مجدية. العلم الحديث هو سبيل الوجود. في يد الرأسمالية وسيلة الفناء. الرأسمالية تعني، فيما تعني، تراكم الثروة بأيدي قلة من البشر دون الاكتراث لغالبية البشر وهم الفقراء؛ والفقر مسيرة نحو العدم. من شلل الإرادة الى العدم. الانتهاء الى العدم هو تكرار لنظرية الخلق من عدم. العدم ابتلاء في الأصل وفي النهاية.

الإرادة رغبة تدعمها القوة. هذه لا تتأتى إلا من العمل والإنتاج. ما يؤدي الى تماسك المجتمع. المجتمع المفكك المذرر لا إرادة له. يخضع للطغاة في الداخل أو الاحتلال من الخارج. الاحتلال يمكن ان يكون معنوياً بوسائل التأثير، أو مادياً بالاحتلال واستخدام العنف. إرادة الفرد تحصل من إرادة المجتمع. المجتمع المفكك لا إرادة لأبنائه. تفكك المجتمع يلغي إرادة الأفراد والمجتمع. التفكك يؤدي الى شلل الإرادة. التماسك المجتمعي يأتي من الدولة. الدولة الحديثة تستوعب أفرادها. يشاركون في قرارها. يكونون مواطنين لا رعايا. يتناقض هذا الأمر مع دولة الطغيان التي تسلب أفرادها المشاركة والقدرة على المبادرة وحق المساهمة في القرار. مع تعدد مراكز السلطة تتعدد الدولة وتتوزّع انتماءات أفرادها. لا إرادة لمجتمع ما إلا في دولة واحدة. إذا لم تجتمع إرادة الناس في القرار، لا يكون هذا مجدياً او فعّالاً. الإرادة رغبة وقدرة على الفعل. الإرادة لا تأتي من الغير بل من أعماق النفس المتأهبة التي تحقق حقوقها. تعرف حقوقها وتؤكدها بالفعل والمعرفة. الحروب تشن لكسر إرادة الناس سواء بالهجوم أو الدفاع. قال أيقونة نظرية الحرب كلاوسوفيتز أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، لكنه قال في مكان آخر أن هدف الحرب هو النصر. وهو لا يتحقق إلا بكسر إرادة العدو. تناقض مع نفسه. الإرادة لا تكون إلا بالسياسة. الذين يشنون الحروب على أساس أن لا خيار لهم سوى ذلك ليسوا أهل سياسة. السياسة هي في تعدد الخيارات لدى الفرد والمجتمع. السلطة التي لا تعرف هذ التعدد هي نوع من الاستبداد. خضوع لظروف أجبرتها على الحرب، سواء جاء ذلك من الداخل أو الخارج. السياسة إبداع الخيارات والمساومة عليها وإبداع التسوية. القوة الحقيقية امتلاك السلاح لمنع الحرب، لا استنزافه في الحرب، وما يتبع ذلك من استنزاف قوى المجتمع. ربما أدى الانتصار في الحرب الى نتائج سياسية ليست في صالح المنتصر. كثيرا ما يؤدي الانتصار الى انكسار المجتمع أمام إرادة قادة الحرب. في ذلك استلاب الإرادة. قوة السلاح أمضى وأفعل عندما تهدد ولا تستعمل. عندما تُستنفد القوة المعنوية وقوة السلاح، يضعف المجتمع وتتلاشى إرادة الفعل.

قبل الثورة الصناعية، ثم الثورة العلمية والرقمية، كان الإنتاج الزراعي والصناعي والحرب يعتمدان على العمل الجسدي أكثر من الذهني. تغيّر الأمر بعد ذلك. أصبح للعمل الذهني أهمية بالغة، بل أساسية. ولم يعد التفوّق قائماً على القوة المادية وبعض الذكاء الاستراتيجي وحدهما. صار التفوّق حصيلة المعرفة بالأساس. وهذ سر تفوّق الغرب. الدعوة الى تبني الثقافة الغربية هي دعوة لاكتساب القوة التي تمنح الإرادة قدرة على الفعل أكثر مما مضى. أصبح للقاعدين في غرف العمليات قدرة على القتل في اماكن بعيدة بواسطة آلات تسيرها المعرفة الالكترونية. وأصبح للآلات ثم الروبوتات قدرة على الإنتاج تفوق العمل اليدوي المباشر.  الطائرات والدبابات يمكن تسييرها أوتوماتيكياً عن بعد. كذلك الروبوتات الانتاجية، وكذلك فتح وإغلاق أبواب المنازل وتسيير أجهزة التدفئة والتبريد، إلخ… وكل ذلك يعتمد على المعرفة التقنية. وفي أساسها المعرفة العلمية. في بداية الثورة الصناعية، أي في بداية القرن التاسع عشر، وقبل ذلك، كانت الاختراعات الميكانيكية والكهرباء تحصل على أيدي أميين علمياً؛ هؤلاء لم يكن لهم تكوين علمي نظري. تطوّر الأمر بعد ذلك  وصولا الى آلات تديرها العقول لا السواعد، في الزراعة والصناعة. قطاع الخدمات يتطوّر اكثر فأكثر ليصير أكثرها معتمداً على الكومبيوتر وأخواتها.

أحيلت معظم قطاعات الإنتاج التي تعتمد على السواعد الى بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. حتى اكتساب المال أصبح يمر عبر حواسيب ضخمة تعتمد على فروقات ضئيلة في أسعار الأسهم وأسعار صرف العملة، وعلى تغيّرات ضئيلة في جزء من الثانية. وهناك حواسيب ضخمة قرب البورصة في وال ستريت ترصد مراهنات البورصة الصادرة عن جهة المبيع قبل أن تصل الى الجهة الشارية في بضع ثوانٍ. وتقوم بعمليات البيع والشراء قي جزء من الثانية. الرياضيات التطبيقية المالية تتيح ذلك. القوة العارفة صارت أساس الإرادة؛ القوة العارفة في مجالات العلوم الحديثة النظرية. في الصواريخ الموجهة ضد الدبابات والطائرات، وفي المسيرات الطائرة. العلم النظري دخل في أجهزتها ولا تحتاج إلا الى “كبسة زر”.

الإرادة في مجتمع الحداثة قدرة على الفعل صادرة عن رغبة تكون المعرفة أساساً فيها. وتكون المعرفة النظرية نواة المعرفة التقنية. استيراد التكنولوجيات دون ترسيخ قيم العلم الحديث في المجتمع، يجرده من الإرادة. إذ تبقى أسس ووسائل التكنولوجيات ومنتجاتها المصدرة إلينا تحت سيطرة المصدِّر. الإرادة المجردة عن المعرفة تعني الاعتماد على العمل اليدوي وحده. جحافل العاملين في آسيا في معامل تملكها مصادر الاستثمار من الرأسمال المالي العالمي في الحقيقة أشبه بعمل العبيد المؤجرين للرأسمال الأجنبي. يطغى الاستبداد في هذه البلدان لتكبيل العاملين الأرقاء ومنعهم من المطالبة بحقوقهم أعلى من حد العيش. لا إرادة دون كرامة العيش فوق مستوى الكفاف وصولاً الى نيل العاملين قيمة كل ما ينتجون؛ هذا معناه تلاشي الربح. مصلحة العاملين تتناقض كاملاً مع مبدأ الربح؛ تتناقض كلياً مع ما يجنيه الرأسماليون من استثماراتهم. ليس الربح إلا ما يُقتطع من عمل العمال. مجموع الأجور التي ينالها العاملون والأرباح التي يجنيها أصحاب رأسمال (في المنشأة الواحدة) هو ما يساوي القيمة التي تنتج عن عمل العاملين. بذلك تتنافى مصالح العاملين مع مصالح الرأسمال. إرادة العمال نقيض الرأسمال إذ هي نقيض الربح وكل ما ينتج عنه من تراكم. الإرادة ليست معطى بل حقوق يجدر النضال من أجلها. الإرادة جوهر هذا النضال.