1
Mar
2024
0

عن النصر والهزيمة

النصر، كما هو شائع لدى كثير من نخب النظام الذي يشكّل الوعي في المجال العربي، ليس تغلباً على قوى العدو وكسر إرادته؛ بل هو تصور عن العدو وعنا يكون فيه العدو فاشلاً في تحقيق “مخططاته”، حتى لو بقي متفوقاً علينا.

في أحيان كثيرة لا نعرف مخططات العدو، فلا نعرف ما هو الأمر الذي انتصرنا فيه، وننتهي بتصورات عن العدو وعن أنفسنا بما يفيد أننا تغلبنا عليه وانتصرنا حتى ولو انهزمنا في الواقع، وحتى ولو كانت الوقائع على غير ما نشتهي. يفيدنا هذا التصوّر في أوهامنا على واقع العدو ولو كان واقعنا أقل من قدرات العدو، أو حتى ولو كان العدو هو المنتصر في محصلة الأمر.

إننا لا ننتصر على ذاتنا لنُغيّر ما نحن فيه بل هو انتصار وهمي تنجزه الذات كما هي عليه، وذلك على عدو يكون في الحقيقة ليس العدو الواقعي بل العدو المتوهم. هو عالم من الأوهام عن أنفسنا وعن العالم، جوهره العجز والهزيمة في الواقع. لا ندرك أن الواقع غير أوهامنا عنه، وأننا ما نزال نعيش في هذا العالم الموهوم برغم مرور عقود من الزمن، لم نحرز فيها غير الخيبات، ما يبعث على المرارة والإحباط.

النصر يكون بالدرجة الأولى داخلياً بمعنى أن ننتصر على أنفسنا، ونُغيّر ما نحن عليه. الجيوش الرسمية وغير الرسمية (أي قوات الميليشيات الشعبية) تنتصر إذا كانت صادرة عن مجتمع تتهيّأ فيه أسباب النصر؛ وهذا المجتمع لا بدّ أن يكون متماسكاً، ليس فقط ايديولوجياً بل بالعمل والإنتاج. مجتمع النصر ينتج أسبابه، مثل الإقتصاد القادر على تزويد الجيوش والميليشيات بما تحتاج إليه من سلاح، والأهم من ذلك الملبس وحاجات الطعام والمأوى. ليس صدفة أن الجمهور العربي، وهو أكثرية العرب يفتقر الى هذه الأشياء وبالكاد يكفي مدخوله لسد الرمق.

أن يصير المجتمع مُنتجاً، فيزرع ويصنع ما يفوق حاجاته ويستخدم الفائض لاستيراد ما لا يستطيع إنتاجه، يكون عادة على درجة عليا من الزهو والتماسك، مما يعطي الجيوش المقاتلة زخماً. الأنظمة العربية تؤدي سياساتها إلى زيادة الفقر؛ استبدادها يزيد الانشقاقات والانقسامات، فتذهب جيوشنا الرسمية وغير الرسمية للقتال مكسورة النفس وفاقدة الزخم، حتى ولو امتلكت أدوات تقنية فاعلة، لكنها عادة هي محرومة من ذلك؛ فتصاب بالكآبة وما يفقدها الزخم في المواجهة؛ وفي أحوال كثيرة تكون على غير دراية بما تريده قيادتها، فهي لا تعرف أهداف القتال ولو كان كل منها ذو عقيدة قتالية.
واقع الأمر أن الاستبداد، وانتشار الدين السياسي، وانقطاع التواصل والحوار بين القيادات، قيادات الأنظمة والجماعات المقاومة والجمهور، بما فيه الجيوش المقاتلة، رسمية كانت أو غير رسمية، كل ذلك يصيب مقاتلينا بالإحباط والعجز، وهما في أساس العجز والهزيمة. وقد أحسن من قال إن إسرائيل ليست هي التي تنتصر بل العرب هم الذين ينهزمون. وهم كذلك لأن مجتمعاتهم مهزومة أمام حكامها قبل أن تهزم أمام العدو. يبدو قاسياً الحكم أن مجتمعاتنا العربية مُهيّأة للهزيمة لا للانتصار. والذي يبدو جليا أن نخبنا السياسية والثقافية ليس لديها العزم والمعرفة للخروج من ذلك.

النخب السياسية (والثقافية) لا تعتمد خطاباً يربطها بشعوبها. فهى تتبنى المواجهة ضد العدو. لكنها لا تستطيع، وربما لا تريد زج شعوبها في هذه المواجهة التي تكون عادة بين قلة متحزبة من هذه الشعوب التي يفوق عددها بكثير عدد شعب العدو، الذي برغم قلة عدده نسبياً، يستطيع قادته أن يحشدوا عدداً أكبر في كل مواجهة منذ عام 1948، سواء كان الأمر لدى العرب جيوش لم تُحرز نصراً حاسماً في الحروب، أو المقاومات التي لا يُنتظر منها حشد عدد كبير في المواجهة؛ هذا بالإضافة الى أن الايديولوجيا التي تحملها وتُبشّر بها، سواء كانت دينية أو قومية، لا تُقرّبها من شعوبها. وهي ربما، على الأرجح، لا تهتم لأمرها ولا تدرك، وربما لا تريد أن تدرك، أن الساحة العربية صارت مسرحاً لجيوش أجنبية، ومنها غربية ومن أهل المنطقة غير العرب. فكأننا عدنا إلى كولونيالية من نوع آخر. العدو الرابض في فلسطين يضاف إليه قوى أجنبية أخرى “صديقة” وعدوة في كثير من مناطق المشرق العربية. ويكثر الحديث على الشاشات عن مخططات العدو، بينما المتلقي لا يعرف العدو، إلا إسرائيل طبعاً، ولا المخططات التي لديها. هناك شك عميق في أنها يُمكن أن تُعرف لكونها مسرّبة وغير معلنة.

أصبح الوعي السائد مشوشاً وهناك الكثير من الغشاوات التي تحجب عينيه وقلبه عن الواقع، وتمنع إمكانية تحليله برؤية صادقة في أمانتها للحقيقة. وكل نصر يتحدث عنه الخطباء لا نعرف مدى مطابقته لما يجري.

ربما كان الأجدى بدايات جديدة، أولها محاسبة الذات ونقد الحاضر والماضي. والنقد هنا بمعنى التقييم لا التجريح. لكن الأجدر هو فهم موقف الجمهور العربي الذي أصبح لا يثق بقياداته السياسية، سواء قيادة فريق المطبعين والمعترفين بإسرائيل أو فريق الممانعة، على الرغم من بشاعة ما يجري في غزة من حرب إبادة ضدها وضد أهلها وفي الضفة التي وإن كانت أقل بشاعة، إلا أنها كلها تسير في اتجاه واحد، وهو محو فلسطين وقضيتها بعد إبادة شعبها. أما ردود فعل الشعوب العربية، فهي تقف مكبلة الأيدي تجاه ما يجري. فهذا تعبير عن انعدام ثقة لا تنتج في المجال العام من مظاهرات ما يساير مجريات دهاليز السلطات المختلفة، والمتصارعة في ما بينها، والتي تقرر مصير الشعب الفلسطيني بغض النظر عن إرادته، بل هي في ما يناقض هذه الإرادة.

فلسطين باقية في الوجدانات العربية، لكن الشعوب العربية أدركت، على إرهاقها، أن ما يجري على يد النخب العربية السياسية والثقافية، وخاصة الطبقات الحاكمة، ليس أمراً يهمها وإن كان الثمن غالياً بالنسبة لغزة.

لا نصر حين تكون الشعوب العربية، في غالبيتها الساحقة، ليس لديها إلا أقل مما يسد الرمق، وحين تكون السياسة غريبة عن الناس. غريبة في محتواها وفي هوية من يمارسها. وحين يكون ما يُقرّر لهذه الشعوب غير ما تريد، وحين يجري التلاعب بقضية فلسطين على يد قلة نصّبت نفسها ولية على القضية بتكليف أجنبي.

تتراكم الهزائم مع تعمّق الهوة بين الشعوب العربية وقادتها. والأمر ينطبق على فلسطين من ضمن ذلك. ليس لدينا إلا أنظمة سياسية وقيادات نخبوية تخاف من شعوبها، خاصة بعد ثورة 2011 العربية. خوف شعوبنا من العدو لا يقل عن الخوف ممن يحكمها، والخوف متبادل. ليس خوف من غياب القضية بل الخوف على القضية ممن يتولاها.